واحة تجمع الفضائل

من عجائب خلق الله أن تجد واحة خضراء غنية بالماء والخضرة وكل الوسائل المعينة على الحياة والنماء، في وسط صحراء قاحلة خالية من كل أسباب الحياة.
إنها أعجوبة من صنع الله القدير الذي أحسن كل شيء صنعا.


وما لفت نظري هو وجود الرابط العجيب والقوي بين الواحة وبين الإنسان الفاضل الجامع للصفات الإنسانية، فكما تتناثر الواحات في شتى بقاع الأرض حيث تتوافر فيها عدة مقومات لتشكّل ملاذا حيويا للإنسان يجد فيه أمنه وغذاءه، كذلك يتواجد الانسان الفاضل الذي يتحلى بأرفع الصفات وأسماها في شتى بقاع الأرض وفي مختلف المجتمعات ويعتبر ركيزة هامة وقامة رفيعة ليس لمجتمعه فقط وليس للإنسان فحسب بل وجوده نماء لأي أرض يحل بها.


وكما أن الواحة التي تجتهد لتجمع المياه الجوفية القريبة من سطحها لتزهو أرضها بالنخيل والنبات لتجتذب الإنسان والحيوان فتدب فيها الحياة بشتى أنواعها وتتلون بفضل ربها. كذلك الإنسان الذي يجتهد لتتوافر لديه مقومات تجعل منه مثابة وأمنا للعديد من بني جنسه ” أبا روحيا أو معلما ملهما أو حضنا دافئا أو قدوة محفّزة”، فهو الإنسان الفاضل الجامع للفضائل كالمحبة اللامحدودة والبذل والعطاء دون مقابل والتسامح الذي يجعل النفس خفيفة رقيقة يأنس بها من يصاحبها.


وكما أن الواحة لا تتأثر بالظروف القاسية من حولها كالصحراء القاحلة والجو الجاف الملتهب فهي من تعطي الحياة لكل إنسان تقطعت به السبل، كذلك الإنسان الفاضل بالرغم من تغريب الأخلاق واستحالة القيم من حوله وشيوع كل أنواع الجشع والأنانية وحب الذات، إلا أنه يبقى صامدا ضد التيار الجارف للقيم متحصنا بالخلق الرفيع، غنيا بفضائله بل ومعطاء لمن حوله.


والأمثلة عبر التاريخ عديدة لا يمكن لهذا المقال حصرها، منها على سبيل المثال ليس إلا، “حاتم الطائي” الذي اشتهر بالبذل والعطاء والكرم وحسن الوفادة وكانت خيمته ضالة لكل مسافر أو تائه أو ذي حاجة بل إن نار كرمه لا تنطفئ كعلامة ساطعة في قلب الظلمات، يستدل بها الصادر والوارد، جمع حاتم هذا من الصفات والخصال التي أهلته ليكون عَلَمَا من أعلام العطاء والإنسانية ليحفظ له التاريخ رغم تعاقب الأزمان هذا الصنيع.


ومن الأمثلة أيضا “نلسون مانديلا” الأب الروحي للشعب الذي عاش بين ظهرانيه، وقضى أجمل سني عمره لأجل وطنه وخيره وأمنه واستقلاله، ولم تثنه سنوات السجن ولم تفل من عزيمته وإصراره على الجهاد من أجل حياة مستقرة للجميع، وعندما تمكنَّ بعد سنوات النضال هذه، عمل على عدة أمور من شأنها خلق بيئة آمنة ووطن يحتضن الجميع فعمل على إنهاء سياسة الفصل العنصري والمصالحة بين البيض والسود وتناسي الثارات التي حرقت القلوب وألهبت نيران الحقد والانتقام، فكان ذلك أعظم إنجاز يقدّمه لشعبه ووطنه.


كما ويستحضرني مثال قريب من ذاكرة التاريخ لما تسمى “بأم الأشجار وسيدة المليار شجرة” وانغاري ماثاي (1940- سبتمبر2011) ناشطة بيئية آمنت بقضيتها وحملت معولها على كتفها ومحبة وطنها في قلبها وتنقلت في بلدها كينيا كي تزرع الأشجار وتغرس الأمل. ففي العام 1977 أسَّست “حركة الحزام الأخضر” من أجل حياة أفضل ومن أجل حماية التنوّع البيولوجي وزرعت أكثر من40 مليون شجرة في أنحاء كينيا، وتاريخ هذه المرأة حافل بالكفاح والإصرار بالرغم مما لاقته من مصاعب، فصارت أمثولة للمبادئ الحقة كالبذل والتضحية والإصرار.


وهكذا عندما تلوح بخاطرنا الواحة الغنّاء بجمالها، لابدَّ وأن ترتبط بالروح المعطاءة والنفس السخية، لتكون لنا زادا نتقوى به وإلهاما صريحا نقتدي به فنسير على هذا النهج من المحبة والعطاء والبذل لكافة الناس.

وجيهة عباس بو صبيعة
جمعية البحرين النسائية للتنمية الانسانية

مقالات ذات صلة

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.