الظلام المفقود

عندما كنّا صغارًا، نجلس على سطح المنزل ونعدّ النجوم في السماء الصافية، وكان ذلك مصدر إعجاب وجمال نستمتع به. أما اليوم، فلم تعد السماء مليئة بالنجوم، فأين اختفت؟

لم تختف النجوم، ولكن التلوّث الضوئي حجبها، وهو التأثير السلبي الذي يُسبّبه انبعاث الضوء الصناعي “الإنارة” المفرطة والشديدة السطوع حين لا تكون هناك حاجة إليها.

كثيراً ما يتم التحدّث عن تلوّث الهواء، والماء، والتربة، فماذا عن التلوّث الضوئي؟

لقد بدأ علماء الفلك برصد التلوّث الضوئي في السبعينيات من القرن الماضي، إذ لاحظوا أنه وحتى باستخدام أقوى الأدوات، لم يعد بإمكانهم رؤية النجوم والأجرام السماوية الأخرى بنفس الوضوح.

ويُصنّف التلوّث الضوئي لعدة أنواع، وكلنا بلا شك نتعرض له، فحسب الاحصائيات فإن أكثر من ثلاثة أرباع سكان العالم يعانون من التلوّث الضوئي، والذي منه:

  •  (glare وهو السطوع المفرط في الضوء الذي يُسبّب عدم الارتياح البصري، واحد أشكاله اللوحات الإعلانية الرقمية الساطعة بشكل مبالغ فيه.
  • Light trespass) ويعني الإضاءة التي تتسرّب إلى مناطق لم تكن مقصودة لتلقيها، كأضواء الشوارع أو المباني التجارية التي تسقط على المنازل. ووفقاً لجمعية هندسة الإضاءة الأمريكية فإن شدّة الضوء الذي يخترق من النافذة ليلا ويتجاوز 5 لوكس يعتَبَر تلوثاً ضوئيا، وللمقارنة فإن ضوء القمر عادة 0.5 لوكس.
  • Light Clutter)، فإذا كان الوهج يتعلق بالإضاءة الزائدة، فإن الفوضى ترتبط بتوزيع الإضاءة، فتكون مبعثرة من المباني والمنشآت بشكل عشوائي دون تنسيق فمنها اللون الأبيض والأصفر والأزرق في ذات المكان.
  •  (Sky Glow وهو الضوء الذي يكون موجّهاً للأعلى، وتعكسه وتشتته الجسيمات الصغيرة في الهواء كالغبار والهباء الجوي فينتشر في اتجاهات مختلفة، وهو ما يجعل السماء مضاءة بدلا من سماء ليلية مظلمة، هو مؤشر تلوّث يشهده الجميع دون استخدام أدوات لرصده وقياسه.

وبحسب بيانات الاتحاد الدولي للسماء المظلمة Dark Sky International)) يزداد التلوّث الضوئي بنسبة 2% سنوياً، وبالتالي يتم فقدان الظلام ليلا على جزء كبير من الكوكب، وهذا ما يحجب عنّا رؤية النجوم، ويذكر موقع مختص لمشاهدة النجوم (Go star gazing) أن المدينة الملوّثة قليلا بالضوء من الممكن رؤية 200 نجم في سمائها، فيما المدينة ذات السماء المظلمة من الممكن رؤية ما يقارب 3000 نجم فيها دون أي مساعدة بصرية وفي ليلة بلا قمر. بالنسبة لي بقيت انظر لسماء بلدتي فلم أستطع رؤية أكثر من خمس نجوم!

وللتلوّث الضوئي آثار سلبية كبيرة على الإنسان والبيئة، فيُسبّب للإنسان تقلبا في مستويات الميلاتونين -هرمون الظلام – الذي ينشط بغياب الضوء، واضطرابه يؤثر على وظائف الجسم فتتشوش الساعة البيولوجية مما يؤدي إلى أمراض فسيولوجية وسلوكية ونفسية معا. وبالنسبة للكائنات الحية، فالتلوّث الضوئي يُحدث تغييرات في تكوين الأنواع ووفرتها وتفاعلها، فمثلا يعتبر الليل وقتاً لهجرة بعض الطيور أو لصيدها، فتشوش عليها الإضاءة، وتصطدم بالمباني والهياكل الأخرى، كما يعطّل التلوّث أدوار الكثير من الحشرات الملقّحة للنباتات مما يؤدي إلى سلسلة من الآثار كالنقص في إنتاج الثمار والبذور.

هناك حلول كثيرة تقلل من التلوّث الضوئي يمكن للإفراد القيام بها، لكن القضية ليست مجرد مسؤولية فردية، فما لم تكن هناك تشريعات ملزمة للقطاعات المختلفة كالتجارة والصناعة والنقل وغيرها، فلن تكون الخطوات ملموسة وذا أثر، ولن تظلم السماء ليلا كما ينبغي لها.

بقلم : أ.منى العلوي

مقالات ذات صلة

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *