الأم والمخلّص

انطلقت من عقال الزمن المثقل، تحمل في ذاتها بذور خلاص العالم، مريم الثابتة على قيم الإنسان، لم تجرحها نصال الظلم والخطايا. وهي التي جابهت قومها ورسخت كالجبال لا يحركها جهلهم وظلمهم وأنانيتهم. أرادوا طردها وإقصائها لأنها امرأة، فقالت هذا هو مكاني أعبد الله في قدس الأقداس، أنا لست إنسانًا دونكم وحقي ثابت في أن أعبد ربي في كل المعابد، لست نَجَس أو ناقصة ومكاني ليس الخلف.

هذه المرأة بصلابتها وبكل ما مثّلته من معاني عالية واستثنائية في زمنها ومكانها، اجتباها المعبود لتحمل المخلّص المأمول، فكانت مريم أرضٌ خِصب لكلمة الله عيسى تنبت فيها، وشجرة جديرة بأن يرث ثمارها من سيحمل عبء خلاص العالم، فكان روح الله لمّا كانت مريم، امتدادًا لمعاني وتوالدًا لقيم، وقادمًا مؤكدًا لما مضى، وفرعًا وارفًا لجذرٍ أصيل.

إنها حكاية المخلّص والخلاص تنطلق من حجر أم، تعيد بناء مفاهيمنا – لو أصغينا!- عن الأم والأمومة، مضخة المبادئ والمعارف والتطبيق الأول لما سيحمله الأبناء ويشيدون به أوطانهم ومجتمعاتهم، والنسخة الأصل لما سيكونون عليه غدًا. وهي إن كانت خلاصًا في ذاتها فستحمل ذلك لوليدها، وإن لم تكن، فكيف نرجو خلاصًا وخيرًا لعالمنا؟.

إن الأمهات مصانع المجتمعات، والمدارس الأولى التي تُنقش فيها المعارف لتثبت أبدًا في أعماق ذوات الأبناء، فمن الغريب حقًا كيف نغفل عن هذه الحقيقة في خططنا التي نريد بها النهوض والتطور!. كيف نهتم بالمنتج ونهمّش المصنع! كيف نسقي الفروع ونذر الجذور عطشى ومهملة. وأيضًا كنتيجة لذلك كيف نحيل سر قوة الأم ومصداق قدرتها “أمومتها” إلى مدعاة لإبعادها – بحجج مختلفة- عن ساحات الإبداع المختلفة!، وعزلها وتنميطها في زوايا محددة هي أصغر بكثير من إمكانياتها وطاقاتها! وهي الأجدر والأولى بأي موهبة وعلم ومكنة، لأهمية دورها ومركزية وظيفتها كقطب رحى يدور كل المجتمع حول ما تبثه من معارف ومبادئ في المدرسة الأولى “أمومتها”، إنها حقًا مفارقة غير منطقية.

إن البشرية اليوم تعيش مرحلة هي الأسوء – ربما-، حيث الحروب والمجازر على الهوية، والقسوة لغة اتصال بين بني الإنسان، إذ لم يعد الدين رادع ولا القيم زاجرة. فنحن حقيقةً نحتاج إلى مخلّص في كل ميدان، ومنقذ يوصلنا إلى بر الأمان، في السياسة والاقتصاد والدين والاجتماع والحقوق…إلخ. وهو لن يأتي إلا من أرضٍ طيبة قد تلقّت بذور الخلاص، من أمٍ نهضت وتكاملت ومسكت زمام المعرفة فيما يحتاج إليه العالم، وحضنٍ اكتسب الثقة، وحِجرٍ تشرب بالأمل في إمكانية خلاص الإنسان من معاناته.

وهنا لا نعفي الآباء من مسؤلياتهم ولا نجردهم من دورهم المهم، لكنّا نسلط الضوء على أسفل الشمعة الذي لا يرى، ونقول: إنه يجب أن تُمنح الأمومة ما هو أكبر وأكثر فائدة من التبجيل والاحترام- النظري!-. بأن نجعل الأم وتمكينها جزءًا من مخططات التنمية التي نريدها لأوطاننا، ناهيك عن عدم الوقوف في وجه نهضتها وتكاملها وتطورها، وعدم استهداف كيانها وذاتها باتهامها بالنقصان والمحدودية. فمن عقلها ومشاعرها وثقتها وقيمها وانتصاراتها – وحتى فشلها- سيخرج مولودًا “ابنًا وابنة” نعول عليه خلاص عالمنا، كلٌ في ميدانه ناشطًا في تخصصه ومجاله.

إن في المخلّص عيسى “ع” وكل ما أحدثه من تغيير وتطهير وإعلاء لقيم الإنسان، نرى منجز أم رصفت الطريق وأضاءت المشاعل، ليعبر ولي الله مبلّغًا رسالات ربه. وهي الحقيقة التي لا بد وأن يعيها كل من يريد الخلاص، فلكي يكون عيسى لا بد أن تكون مريم!!. .

وهي اليوم تتمثل في ذات كل أم عظيمة، تحمل بذور الخلاص والأمل والتطور لعالمها، وتنقله قيمًا ومعارف لأبناءها، ليغدو كلاً منهم يحمل جزءًا من عيسى.

نعيمة رجب

جمعية البحرين النسائية – للتنمية الإنسانية

naeimaar@yahoo.com

مقالات ذات صلة

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.