العنفُ مِنْ مَنْظورٍ خاطئ

المشهد الأول

أثناء إحدى الصلوات في الكنيسة، استمعت سارة ابنة الأربعة عشر عاماً إلى حديث القسّ باستغراب حين قال “للمرأة طبيعة هي ذاتها طبيعة الرجل، هي أسمى من كلّ الحيوانات التي لآدم أن يسيطر عليها، هي بمثابة معاونة ومرافقة، وهي تلائمه وتناسبه”، وبعد المغادرة بادرت أبيها بالسؤال: هل يُعقل أن الربّ خلق المرأة حيوان لمرافقة الرجل؟  

تلعثم الأب المسكين من سؤال ابنته محاولاً تبرير ما قاله القسّ بأن ذلك أصبح من الماضي وما عادت المرأة بتلك الصورة فهي الإنسانة العصرية والمواطنة التي تتمتع بحقوقها كاملة.

فاستطردت سارة: ولكنها حقوق مدنيّة وليست دينيّة، معنى ذلك أن المرأة أقلّ درجة من الرجل من المنظور الدّيني بينما مساوية له من منظور الدولة، أيّ أن الربّ ظلمها، فلمَ إذن نذهب للصلاة في الكنيسة؟

المشهد الثاني

 رجع أحمد ذي الثلاثة عشر عاماً من درس تجويد القرآن مسرعاً إلى أمه مستفسراً: هل حقاً تلعنُك الملائكة عندما تخرجين من البيت من غير أذن أبي؟ وعندها يحقّ له تأديبك بالضرب؟

نظرت الأم تجاه ابنها مستفسرةً: من أين جئت بهذا الكلام؟ هل هذا ما قاله معلّم التجويد؟

فأجاب: نعم، عندما بلغنا في التلاوة لهذه الآية الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَالَّلاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا” استفسر عنها بعض الأخوة وكان ذلك من ضمن إجابته، كيف ذلك وأنتِ طبيبة وناشطة ولم أركِ تستأذنينه يوماً قبل خروجك!

هذان مشهدان يتكرران بشكل أو بآخر في المجتمعات، حيث يتساءل النشء عن وضع المرأة في المجتمع من المنظور الديني والمدني، ومقارنتها بالأدوار التي تضطلع بها، حيث تتسع الفجوة بين المعتقدات والممارسات، وتختلف الإجابات باختلاف الثقافات في الدول والمجتمعات، فهل نحن كمجتمعات متديّنة أو محافظة نتّفق بأن ظاهرة العنف مصدرها ديني؟

ضرب المرأة

ظاهرة ضرب المرأة أو تعنيفها بشتّى الصور نجدها شائعة في كلّ المجتمعات الشرقيّة والغربيّة، وإن تشدّق الغرب بجودة قوانينهم التي تضمن حقوق المرأة وسلامتها، إلّا أن مسلسل التعنيف مازال مستمرًا، فبحسب دراسة أجرتها منظمة الصحة العالمية (WHO) في 161 بلدًا منذ العام 2000،  تشير إلى أن واحدة من كلّ ثلاث نساء حول العالم تتعرض لعنف جسدي أو جنسي خلال حياتهن، وإنّ هذا الرقم لم يتغير من العام 2013 إلى فترة ما قبل انتشار جائحة كورونا (كوفيد 19).

وعرّفت الجمعية العامة للأمم المتحدة “العنف ضد النساء” على أنه “أي اعتداء ضد المرأة مبني على أساس الجنس، والذي يتسبب بإحداث إيذاء أو ألم جسدي، جنسي أو نفسي للمرأة، ويشمل أيضاً التهديد بهذا الاعتداء أو الضغط أو الحرمان التعسفي للحريات، سواء حدث في إطار الحياة العامة أو الخاصة.”

الموروث الديني والاجتماعي

وبالرجوع إلى الدراسة أعلاه، نجد أن ظاهرة العنف الموجّه للمرأة منتشرٌ في كافّة البلدان المتديّنة والمدنيّة مهما كانت أنظمتها الحاكمة، فنستنتج أن مصدر العنف هو المنظور تجاه المرأة الذي يكرّس الدونيّة والمنقصة من قدرها وأفضليّة الرجل عليها وتعزيز ثقافة الاعوجاج في خلقها، وإنَّ كلّ ما حرم منه الرجل من مميزات ربّانية بسبب إغوائها له، فبالتالي تستحق التعنيف والضّرب واللّوم، جزاءً لفعلتها.

فيرجع “العنف من المنظور الخاطئ” تجاه المرأة إلى عدّة أسباب يمكن الوقوف على بعضها:

  • التحريف والتزوير

أُدخل الكثير من التحريف على النصوص الدينية، ومن أمثلتها أن المرأة مخلوقة من ضلع أعوج “فأوقع الربّ الإله سباتا على آدم فنام، فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحماً، وبنى الربّ الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة وأحضرها إلى آدم، فقال آدم هذه الآن عظمٌ من عظمي ولحم من لحمي، هذه تدعى امرأة لأنّها من امرئ أخذت، لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسداً واحداً”.

  • الاسرائيليات

وهي الروايات والأحاديث التي أدخلت على الإسلام متأثرة بالتحريف في كتب الديانات السماوية الأخرى، وأنها السبب في خروج أبينا آدم من الجنّة “فسيادة الرجل على المرأة نتيجة الخطيئة“، مع أن القرآن يذكر بصريح العبارة أن آدم هو الذي عصى وأُخرج من الجنة لهذا السبب” وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ “

  • التفسيرات الخاطئة للقرآن الكريم

وهو أهم سبب في دولنا الإسلامية الذي أدّى إلى انتهاك حقوق المرأة والتعسف في التشريعات المتعلقة بها مثل قضية التبعية للرجل والضرب والنشوز وشهادتها نصف شهادة الرجل.

المعالجات

لم تستطع جميع التشريعات والقوانين والمعاهدات الدوليّة معالجة ظاهرة العنف القائم على الجنس، كما لم تتمكن من حماية النساء أو ضمان سلامتهن، فهنا تبرز أهمية عمل دراسات للمنظور تجاه المرأة وتصحيحه بحيث تتغلغل التحليلات إلى أعماق النفس البشرية ومخاطبة اللاوعي لدى الإنسان وتحديد مكامن النظرة الدونية لها.

علماً بأن حتى القوانين الموجودة حالياً لمكافحة العنف ضد المرأة لا تفي بالغرض، لأنها تبقى مجرد بنود وفقرات لا يتم العمل بها ولا نجد لها تطبيقاً عادلاً على أرض الواقع. علاوة على أن قانون العنف الذي تم إصداره عام 2015 في مملكة البحرين لم يتطرق للعنف ضد المرأة على أساس النوع، بل اكتفى بالإشارة إلى العنف الأسري.

ويتطلب ذلك درجة عالية من الحكمة والوعي لاجتثاث جذور وبذور منشأ الانحراف لزاوية الرؤية وتصحيح المنظور، وبالتالي يمكن تحليل التشريعات والقوانين والمعاهدات الحالية وتطويرها بناءً على ذلك.

ومن الأولى، البدء بصياغة تشريعات جديدة موائمة للنظرة السليمة والرؤية العادلة لمكانة المرأة والرجل على حدٍ سواء.

بقلم: م. صبا العصفور

مقالات ذات صلة

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *