مونديال الإنسانية

نعيش هذه الأيام أجواء كأس العالم في مونديال قطر 2022، وبالطبع مباريات كرة القدم بين الفرق المتنافسة احتلت شاشات التليفزيون وما عادت الأخبار العالمية والقضايا السياسية متصدرة المشاهد، كما لا تخلو تجمعات الأهل والأصدقاء من المناقشات والمراهنات حول من سيتأهل للأدوار النهائية أو إحراز الكأس.


وبعيدا عن الملاعب والمنافسات، كان اللافت في هذا المونديال هو نجاح الإعلام في التركيز على المواقف المصاحبة للمباريات التي يتعرض لها الناس واللاعبون والمشجّعون، فقد رصدت كاميرات المحطات التلفزيونية والهواتف الذكية العديد من المواقف القيمية والإنسانية واللطيفة التي أظهرت مدى التقارب بين المختلفين إذا جمعهم هدف مشترك ولو كان لعبة.


فقد أثلجت صدورنا لفتات جبر الخواطر في أجمل صورها لمدرب ومشجع وموظف وعامل وطبيب وحتى أطفال وموهوبين، وأدمعت أعيننا الفزعات لنجدة ومساعدة الآخرين بدون معرفة هوياتهم أو انتماءاتهم العرقية أو الدينية، وطربنا سمعنا كلمات الإطراء من الضيوف لكرم أهل الدولة المضيفة، وأسعدنا انفتاح العالم على ثقافة دول الخليج وسماحة الدين الإسلامي، وأضحكتنا مشاركات الجماهير الطريفة لثقافات بعضهم البعض بالملابس والكلمات والأهازيج والرقصات والأطعمة، بل امتننا لاستقبال أبناء البلد المضيف للوفود في مساكنهم ومجالسهم الخاصة، ولا يسعنا ذكر تلك الأمثلة في هذا المقال القصير تجنبا للإجحاف بحقها.


بعيدا عن الدين والسياسة، ساهمت لعبة كرة القدم على مر السنوات بخلق هدف عالمي مشترك بإدخال روح المنافسة والفرحة والسرور في نفوس سكان المعمورة، وأبدعت في جمع سكان الشرق والغرب وألّفت بين قلوبهم، وأحسنت في لم شملهم بغض النظر عن الاختلافات والتعصبات والتحزبات.


بلغ عدد سكان كوكب الأرض ثماني مليارات نسمة، وجميعهم يشتركون في الاحتياجات الأساسية والموارد الطبيعية والتنمية الاقتصادية، ويتفقون في القيم والمبادئ العامة وحب الرياضة والفن والثقافة، ولكن طغت الاختلافات القليلة على المشتركات الكثيرة، وبدلا من المحبة والتعايش ظهر التباعد والنفور.


فهل استطاعت لعبة التقريب بين المتباعدين بينما لم تستطع القضايا الإنسانية القيام بذلك؟
ألا يقدر بعض نفرٍ من هؤلاء الثمان مليارات تأسيس واقع جديد جامع للمشتركات ونابذ للمختلفات؟
حريّ بنا فحص حمولتنا القيمية والأخلاقية والإيمانية لمعرفة مكمن الخلل فيها، ما الذي يعجزنا عن الاندماج مع إخواننا في الدين أو نظرائنا في الخلق؟


ربما نحتاج لعمل مونديال للإنسانية مشابه لمونديال كرة القدم لصناعة واقع جديد يكون فيه الإنسان خليفة كما أراد له الله سبحانه، وليرتقي مع نظرائه للعيش بسلام للإعمار لا للحرب والدمار.

م.صبا العصفور

مقالات ذات صلة

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.