تمكين المرأة.. عصر جديد أم أزمة هوية؟

على امتداد العقود الأخيرة، خاضت المجتمعات العربية رحلةً طويلة نحو تمكين المرأة؛ رحلة جمعت بين الإصلاح التشريعي والتغيّر الثقافي ووعي النساء بحقوقهنَّ ودورهنَّ في مجتمعات تتبدّل تحت ضغط التحوّل والحداثة. ومع اتساع أفق هذا التمكين، ينبثق سؤال جوهري: هل أدى استقلال المرأة إلى إعادة تشكيل مفهوم الشراكة داخل الأسرة والمجتمع؟

تشير الدراسات الاجتماعية إلى أنَّ المرأة تبحث في أصل طبيعتها الإنسانية عن الأمان، بينما يبحث الرجل عن الاحترام والتقدير.

لكن، هل يكفي التمكين الاقتصادي والنجاح المهني ليملآ حاجة الإنسان إلى الودّ والمساندة؟ 

إنَّ التمكين الحقيقي لا يعني انفصال المرأة عن الرجل، إنَّما بتحرر الطرفين معاً من الأدوار والقوالب الجامدة التي فرضها التاريخ، وإعادة اكتشاف معنى التكامل المبني على الاختيار والاحترام المتبادل.

لقد ارتبط دور الرجل في الذاكرة الاجتماعية العربية بتوفير الأمان المادي للأسرة، فيما ارتبطت المرأة بأدوار الرعاية والاحتواء. غير أنَّ التاريخ نفسه يحمل شواهد على نساء جمعن بين القوة والحنان، مثل السيدة خديجة بنت خويلد (رض)، التي امتلكت المال والمكانة، والتي يمكن تسميتها بلغة اليوم امرأة قوية مستقلة (strong independent woman). لكنَّها جعلت استقلالها سنداً لشريكها سيد البشر محمد (ص)، حتى قيل: “قام الإسلام على مال خديجة”.  

في ضوء ذلك يمكن القول إنَّ الاستقلال هو القدرة على العطاء الواعي من موقع الحرية والمسؤولية.

شهدت المجتمعات العربية دخول المرأة بقوّة إلى ميادين العمل والإنتاج والسياسة، لكن توزيع الأدوار داخل الأسرة لم يتغير بالسرعة نفسها. فالمرأة التي تعمل خارج البيت ما زالت في أغلب الأحيان تتحمل أعباء الرعاية كاملة داخل البيت. ولذلك فإنَّ القضية تعدت ما خسره الرجل أو كسبته المرأة، إلى كيفية إعادة بناء مفهوم الشراكة الأسرية على أساس العدالة بين الجهدين.

بعض التجارب العربية الحديثة بدأت تُظهر ملامح هذا الوعي الجديد: مبادرات إجازة الأبوة في بعض الدول الخليجية، وبرامج التوازن بين الحياة والعمل في المغرب وتونس، وساعات العمل المرنة ومشروعات التنمية التي تشجع مشاركة الأسرة كلها في الإنتاج المحلي.

هذه النماذج تعكس تحوّلاً من “تمكين فردي” إلى “تمكين أسري ومجتمعي” يشارك فيه الرجل والمرأة على السواء.

فالأسرة الحديثة تحتاج إنسانين يؤمنان بالانتماء المتكافئ، لا يخاف الرجل فيه من نجاح شريكته، ولا المرأة تعتقد بالاكتفاء الذاتي.

يميل الخطاب العام حول تمكين المرأة غالباً إلى التركيز على الحقوق السياسية والاقتصادية، لكنه يغفل البُعد الثقافي المطلوب لترسيخ العدالة داخل الوعي الجمعي؛ فالثقافة الأسرية الجديدة يجب أن تعيد تعريف مفاهيم الرجولة والأنوثة في ضوء قيم العدل والمودة والكرامة، ليصبح التمكين جزءاً من مشروع حضاري، وليس تدابير سياسية مؤقتة استجابةً لمعيار دولي.

ولعل السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو: هل نملك الشجاعة الثقافية لإعادة تعريف دور المرأة والرجل لبلوغ الكمال الإنساني المشترك؟

بقلم:م.صبا العصفور

مقالات ذات صلة

تشكيل الهوية الفطرية (الجنسية) للطفل، متى؟

يعتقد البعض عندما يسمع مصطلح الهوية الفطرية أو الجنسية، بمعنى أن يتعرف الطفل على هويته كذكر أو أنثى، بأنه إما أمر لا يجب التفكير فيه فهو تلقائي أو أنه أمر نحتاج أن نفكر فيه ونهتم بأمره عند اقتراب الطفل من سن البلوغ. ولكن الهويات بشكل عام هي قواعد أساسية لدى الإنسان، لذلك فإنها تتشكل منذ سنوات حياته الأولى.. فالهوية الجنسية تبدأ  بالتشكل في…

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *