لا تُجمّل الأذى

جاء أحمد إلى أمه يومًا وقال لها:
“أمي، لقد ضربني سلطان في المدرسة”

فقالت له:
“لا عليك يا بُني، قد لا يقصد ضربك”

وفي يوم آخر عاد إليها وقال:
“أمي، لقد سخر مني سلطان أمام زملائي”

فأجابته:
“لا عليك، إنه يمزح معك، ألا تتحمل المزاح يا بُني؟”

ومرة أخرى جاءها منزعجًا وقال:
“أمي، قال لي سلطان أمام الآخرين: لماذا أنت سمين هكذا؟ ألا ترى شكلك؟”

فقالت له:
“ربما أراد أن يقول إنك قوي، فلا تأخذ كلامه بجدية”

قد تبدو ردود الأم على ابنها محاولة لاحتوائه وتهدئته، وتعليمه عدم التأثر بكلام الآخرين، لكنها في الحقيقة قد توصل إليه رسالة بأن شعورك تجاه ما قام به سلطان ليس صحيحًا، وما أصابك منه ليس أذى.

يتعرض بعض الأبناء لمواقف مشابهة، وقد يأتون إلى آبائهم ليخبروهم بما حدث، فبعض الآباء يستمعون إليهم ويصدقون مشاعرهم، ويتحققون مما جرى، ثم يتخذون ما يلزم لحمايتهم وتعليمهم كيف يتعاملون مع الموقف. وفي المقابل قد يقوم بعض الآباء بتجميل الأذى الذي يقع على أطفالهم ويبحثون عن تفسير لطيف، فالضرب يصبح غير مقصود، والسخرية مزاحًا، والكلمات المؤذية مجرد كلمات عابرة.

فهل يحتاج الأذى إلى أن نُجمّله؟

حين يأتي إلينا أبناؤنا ليخبرونا بما حدث لهم، فهذا يعني أنهم ما زالوا يرون فينا مساحة آمنة يستطيعون اللجوء إليها. إنهم يحتاجون أولًا إلى قلب يصغي إليهم، وأذن تستمع، وشخص يأخذ مشاعرهم على محمل الجد.

في قصة أحمد، ماذا سيحدث إن استمرت أمه في تجميل كل ما يتعرض له؟ هل سيعود إليها في المرات القادمة؟ أم سيتعلم أنه سيحتفظ بما يحدث له لنفسه، لأنه يعرف مسبقًا ما سيُقال له؟

وأحيانًا نذهب أبعد من ذلك، فنُلبس أطفالنا قوة وهمية، فنقول للطفل: “أنت قوي لا تتأثر”، و”أنت متسامح وتتحمل”، و”لا تجعل الأمر كبيرًا”، فنظن أننا نبني طفلًا قويًا، بينما قد نعلّمه أن يتحمل ما لا ينبغي له تحمله، فالقوة ليست أن يتحمل الطفل ضرب الآخرين، والتسامح لا يعني قبول الإهانة، والصبر لا يعني السكوت عن التنمر.

القوة الحقيقية أن يعرف الطفل أن من حقه أن يرفض الأذى، وأن يميّز بين المزاح والإساءة، وأن يقول بثقة: “هذا لا يعجبني”، وأن يبتعد عن الموقف، ويطلب المساعدة من شخص كبير يثق به.

ودورنا كآباء أن نبني في داخلهم هذه القوة بأنْ نصغي إليهم، ونصدّق مشاعرهم، ونعلّمهم الحدود، ونمنحهم المهارات التي تساعدهم على حماية أنفسهم والتصرف بثقة ووعي.

بقلم:أ.فضيلة حمّاد

مقالات ذات صلة

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *