الحضور النوعي مفتاح الترابط الأسري
في زمن بات فيه الإنجاز الوظيفي معياراً للقيمة، ظهرت قصص غريبة تكسر الصورة النمطية للتفاني. كانت إحدى هذه القصص تدور حول موظف يصرّ على المكوث في المكتب حتى ساعات متأخرة من الليل، دون مبرر عملي، وعند استيضاح المدير، اعترف الموظف بأن بقاءه هو هروب من ضوضاء ومسؤوليات المنزل، الذي لم يعد مصدراً للهدوء. رد المدير بحزم، مؤكداً أن المؤسسة ليست ملجأً، ومنعه من البقاء بعد الدوام دون تكليف مكتوب. ذكّره المدير بأن الترابط الأسري هو مسؤوليته الأولى، مما جعل الموظف يغادر مبكراً مدركاً أن إنذار المدير كان جرس إنذار لإعادة تفعيل “واجب الحضور” في حياته الأسرية.
هذه القصة ليست مجرد حادثة فردية، بل هي مرآة تعكس التحديات المقلقة التي تواجه الأسرة، حينما يجد أحد الوالدين مكان عمله ملجأً آمناً من ضوضاء الأبوة وضغوط الشراكة، ويصبح الدوام الإضافي رخصة اجتماعية للغياب المبررعن الحياة الأسرية. ولعلّ العلاج الأعمق لهذه المشكلة يكمن في تفعيل ما يمكن تسميته “بالحضورالنوعي” الذي يتجاوز الاكتفاء بالوجود الجسدي في المنزل وتبنّي دور المشارك العاطفي والتربوي، وإدراك أن الترابط الأسري هو الاستثمار الأهم.
فمن منظور علم النفس التنموي، أكدت الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال (AAP) في مراجعتها المنشورة عام 2016 على أن الأب، بوجوده الكامل والمركّز، يوفر للطفل مصدر أمان واستقرار لا يُعوّض. هذا الوجود النوعي يخلق نموذجاً لـ “السند العاطفي” الذي يلجأ إليه الطفل في مواجهة التحديات، وهو ما يُعتبر حجر الزاوية الذي يبني عليه الطفل مرونته النفسية وقدرته على التنظيم الذاتي للمشاعر، ما يفسر الانخفاض الملحوظ في السلوكيات السلبية لاحقاً.”
إن تحقيق الحضور الأبوي النوعي ليس مرهوناً بزيادة ساعات التواجد في المنزل، أو بتلبية الاحتياجات المادية، بل يكمن جوهره في تركيز الجهد على جودة الوقت، وذلك يتطلب تخصيص “وقت نوعي” يومي ولو لدقائق معدودة، يكون الأب فيه حاضراً بكامل انتباهه وعاطفته، بعيداً عن أي مشتتات تكنولوجية، ليشارك أبنائه بعض الأنشطة التفاعلية، ويسأل عن مشاعرهم وأفكارهم، أو يستمع لآراءهم، ويتناول على الأقل وجبة رئيسية معهم، ويدعم رحلتهم التعليمية والحياتية بالتشجيع، الأمر الذي يغرس في نفوسهم قيمة وجود الأب في تفاصيل حياتهم.
في الختام، إن ما كشفته هذه الحادثة الفردية هو أن التحدي لا يكمن في معادلة العمل والبيت فحسب، بل في إعادة تعريف مفهموم “القيمة” نفسه، فالقيمة الحقيقية تكمن في الترابط الأسري والاستثمار النوعي للوقت، والذي يمثل كما أشار إليه المدير، واجب الحضور الأهم والأكثر استدامة. لذلك أيها الأب، لا تؤجل استثمارك في هذا الحضور، ابدأ اليوم بخطوة بسيطة، اترك هاتفك جانباً لمدة عشر دقائق، واستمع بقلبك قبل أذنيك، وشارك أبناءك جزءا من يومهم. إن هذا الاستثمار النوعي في جودة التفاعل هو في الحقيقة استثمار في مستقبل الأسرة واستدامتها.
بقلم:أ.شفيقة زيد
استجابات