نريد رجالا لا ذكورا

“نريد رجالا لا ذكورا” عبارة موجعة قالتها إحدى المتضررات في المحاكم الجعفرية في ندوة ألقاها أحد المحامين تحت عنوان “سبع سنوات على سريان الشقّ الجعفري من قانون الأسرة وصعوبات الطلاق لازالت قائمة”، وتطرّق فيها لما يدور في أروقة المحاكم من تجاهل لمعاناة النساء وما يتعرضنَّ له من أنواع العنف والانتهاكات من قبل أزواجهنَّ.

عندما يكون اللجوء للطلاق هو الخيار النهائي بعد استيفاء كافة الطرق الممكنة لإصلاح ذات البين، فهذا يدل على أن العلاقة الزوجية بلغت من التعثّر مبلغا يتم فيه ترجيح هذا القرار برغم معرفة تداعياته وآثاره على الأسرة والمرأة والأبناء، مع ضرورة الحرص على استمرارية الحياة والتواصل بينهما لضمان استقرار أوضاع عناصر أفراد الأسرة لأنها اللبنة الأولى في المجتمع وعماد بناء الأوطان.

ولأن صلاحية الطلاق في الشريعة الإسلامية بيد الزوج بالدرجة الأولى، نجد القرآن الكريم يوجّه له إرشادات التعامل مع هذه الصلاحية “فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ” وآلياتها وحدودها “تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا” ويحذّر من تعديها “فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ”، وهذه الآية هي العصب الأساس لتشريعات الطلاق في قانون الأسرة، لتحقيق العدل والإنصاف للرجل والمرأة على حد سواء.

(تسريح بإحسان) عبارة بليغة تدعو الرجل للتحلي بأجمل صفة وهي الإحسان ليحافظ على رجولته في مقابل تسريح المرأة، فهذا التسريح يحفظ الكرامة الإنسانية له أولا وللزوجة التي احتضنها كرّب للأسرة وأنجبت له الذرية ثانيا، ولا تعني أن يتنازل أحد الطرفين عن حقوقه، بل لاتخاذ خطوة مؤلمة بالتخلي والتسريح بأحسن وسيلة للبقاء على ذكريات العشرة وعدم نسيان الفضل بإنصاف ورحمة.

لكن واقع محاكم الأسرة لا يعكس ذلك الإحسان، بل نجد من تعدوا حدود الله ودخلوا في نطاق الظالمين وتنازلوا عن صفة الرجولة المفعمة بالقيم والأخلاق، وغلبت صفة الذكورة التي تحكمها الغرائز كالغضب والعصبية والانتقام، فاتخذ العديد منهم صلاحية الطلاق كوسيلة للتكسب الشخصي أو التشفّي من المرأة الحلقة الأضعف في المعادلة، فاستطالت طوابير المعنّفات والمتضررات والمعلقات، حتى باتت تلك النسوة تنادي المجتمع بإعادة النظر في طريقة تربية الأجيال: “نحن نريد رجالا لا ذكورا ليكونوا سندا لا عبئا”.

بقلم: م. صبا العصفور

مقالات ذات صلة

ابنتك الضحية التالية

منذ ثمانينات القرن الماضي بذلت الجمعيات النسائية جهودا مضنية لاستصدار “قانون الأسرة” لتنظيم معاملات الزواج والطلاق والحضانة والنفقة وغيرها بما يضمن حقوق جميع الأطراف بدون…

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *