صناعة الأمان

كانت الأسرة تجلس في سكونٍ وطمأنينة، حتى قطعت الأخبار هدوء البيت بإعلانٍ عن خطرٍ قادم. بدأ البعض يتابع التفاصيل عبر هواتفهم، وترددت كلمات فيها تخويف، مما زاد من توتر الأجواء، وكأن الخوف انتقل بالعدوى من وجهٍ إلى آخر. 

في إحدى زوايا البيت كانت هنالك مجموعة من الأطفال الصغار يراقبون المشهد بعيونٍ متسائلة، يسمعون ولا يدركون ماذا حصل؟  لكنَّهم يشعرون بأنَّ هنالك شيء مخيف قادم.

نظن أحيانًا أنَّ أطفالنا بعيدون عن الأحداث، غير أنَّهم يلتقطون مشاعرنا قبل كلماتنا، يقرأون القلق في نبرات صوتنا، ونظرات عيوننا، وهكذا تتكوّن في داخلهم صورة مشوَّشة للخطر، تخلق فيهم خوفًا صامتاً لا تفسير له. 

إنَّ خوف الأطفال في ذاته ليس خطأً، بل استجابة بشرية طبيعية أمام ما يجهله الطفل، لكن الخطر يبدأ حين يتعلم إخفاء مخاوفه، معتقداً أنَّ الإفصاح عنها ضعف، فيفقد تدريجيًا قدرته على فهم نفسه ومواجهة ما يثير قلقه.

وهنا يبدأ دور الاسرة في حمايته من تلك المخاوف وتأثيرها عليه، بالتقليل من مشاهدة الأخبار اليومية التي تزيد من قلقهم، والوعي لتعبيرات وجوهنا حين نتعامل معها، فملامحنا تتحدث قبل كلماتنا.

كذلك علينا أن نحتضن مخاوف أطفالنا لا أن ننفيها، ونكون حريصين على طمأنتهم والاقتراب الجسدي منهم، باللمسة الحنونة التي تخفّف من مشاعرهم، ولنفتح معهم حواراً دافئاً: ما الذي يخيفك، ويقلقك؟ كيف شعرت عندما سمعت ذلك؟  كيف يمكنني مساعدتك؟

 لنمنحهم مساحة آمنة ليقولوا ما يقلقهم دون سخرية أو مقاطعة، لنعلّمهم أنَّ الشجاعة لا تعني إنكار الخوف، بل مواجهته بصحبتنا ودعمنا.

فحين يشعر الطفل أنَّ أحدًا يسمعه بصدق، يهدأ قلبه شيئًا فشيئًا، وبهذا نصنع بداخله أمانا ينمو معه ويكبر.

إنَّ الأمان لا يُصنع بالكلمات وحدها، بل بالحضور والتواجد، بنظرتنا التي تقول: “أنا هنا معك” ففي كل مرّة نُصغي فيها لمخاوفهم دون أن نحاول إسكاتها، نحن نغرس فيهم بذرة ثقة ستظل ترافقهم مدى الحياة.

بقلم:أ.فضيلة حمّاد

مقالات ذات صلة

ربة البيت ما تشتغل!

المشهد الأول عائلة مستورة، الأب موظف، والأبناء في مراحل عمرية مختلفة، أما الأم فهي ربة بيت، وبحسب التصنيف  الشائع: الأب يعمل… والأم لا تعمل! مع أنها تطبخ، وتغسل، وتكوي،وتتابع الأبناء ..مدارسهم ومواعيدهم،  وتدير تفاصيل البيت من الصباح حتى المساء.  ومع كل هذا الجهد المستمر، يصرُّ المجتمع على حكمه: هي لا تعمل. المشهد الثاني  في عائلة أخرى متوسطة الدخل، تقف الزوجة كتفاً بكتف مع زوجها،الزوجة تحمل في هويتها وظيفة “ربة بيت”،لكنها تساعد زوجها في مشروعهما؛ تقوم بالتحضير والتعبئة، بينما يتولى هو التسويق والبيع. وفوق ذلك، تدير بيتها وأطفالها، وتشارك في رعاية أم زوجها المقعدة.  لا راتب لهاولا وظيفة مسجلة، ورغم ذلك يظلُّ التصنيف السائد متمسكاً بعبارته: هي ( ما تشتغل). المشهد الثالث  امرأة موظفة تساهم في جزء كبير من مصروفات الأسرة، واستغنت عن العاملة المنزلية لتوفر المال لشراء بيت العمر. تعمل خارج البيت، وتعود لتبدأ دوامًا آخر داخله.  ثلاث قصص مختلفة… لكنها تلتقي في مشهد واحد صادم: تمرض الأم… تدخل المستشفى وتحتاج إلى علاج وراحة تامة، ويُمنع عليها القيام…

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *