العمل التجاري بنكهة أخلاقية

ذات مرّة وفي محضر شاب معتدل في التزامه الديني وهو حديث العهد بالشركة وبعالم الأعمال وخفاياها قال أحد المدراء “أنا لن أذهب لأداء واجب الحج إلا بعد التقاعد” في إشارة إلى أنه طالما يعمل فهو يذنب فلا جدوى من الحج! الشاب اندهش من هذه المقولة وبقي السؤال في ذهنه لماذا وضع الأعمال بهذا السوء؟

هناك آراء متباينة تناقش أخلاقيات العمل بين مؤيد ومعارض لفكرة القيادة الأخلاقية في بيئة الأعمال فهناك من يعتبرها ضرورة وهناك من يعتبرها تتناقض مع مبدأ التجارة، والأخير في رأيه أن التجارة قائمة على مبدأ “الربح أولاً” وفي كثير من الأحيان هذا المبدأ يتعارض مع المبادئ الأخلاقية، على سبيل المثال، قد تميل الشركة إلى التقليل من لوائح السلامة أو التقليل من الحفاظ على البيئة من أجل توفير المال على حساب سلامة الموظفين أو البيئة. أو قد تميل الشركات إلى الانخراط في ممارسات غير أخلاقية مثل الرشوة أو التمييز من أجل زيادة الأرباح أو التميّز، بالرغم من أن هذه الممارسات تلحق الضرر بأفراد أو مجموعات أخرى وتنتهك القواعد القانونية أو الأطر الأخلاقية. ناهيك عن بعض الممارسات اليومية للموظفين مثل أخذ إجازات مرضية للسفر او لقضاء بعض الوقت مع العائلة أو أخذ فترة أطول من الحاجة للصلاة أو لختم القرآن الكريم في شهر رمضان ما يؤدي إلى تعطيل الأعمال! هذه مجرد أمثله من السلوكيات الدارجة والمعروفة لدى معظم الناس ولكن يجدون ما يبرّرها وذلك لكثرة شيوعها!

نجد عندما يعترض أحدهم على بعض السلوكيات الغير الأخلاقية يُرد عليه بـ “هذا عمل تجاري” أو “This is business” وكأنها دعوة للازدواجية! وهذا يرجع للمغالطة الكبيرة التي نشأت منذ البدايات تحت عنوان “الفصل بين الأعمال والأخلاق”! وكثير من الآراء قائمة على مفهوم خاطئ وهو اقتصار الربح على الربح المادي فقط بغض النظر عن العلاقات والأخلاقيات المتأثرة به.

في العقود الأخيرة بدأ مفهوم القيادة الأخلاقية يشقّ طريقه في بعض المؤسسات الغربية، فهناك الكثير من الدراسات التي تبيّن أهمية القيادة الأخلاقية واتخاذ القرارات على أسس أخلاقية وقيمية، وهناك العديد من المنهجيات لتطبيقها في المؤسسات. بالطبع القيادة الأخلاقية لا تعني فقط اتباع القوانين ومدونات السلوك الخاصة بالمؤسسة لأن القيم والأخلاق لا يمكن أن تجدها مكتوبة كلها في اللوائح والمدونات بل مهارة القيادة الأخلاقية تتطوّر بالممارسة والتعلّم المستمر. فهناك جهد مؤسسي كالتدريب والمتابعة وجهد فردي في التعلّم والممارسة والتطوّر والتطوير للنهوض بالمؤسسات. يا ترى لو أنَّ المؤسسات التجارية اعتمدت قواعد القيادة الأخلاقية كنهج وأسلوب لتصبح ثقافة عامة، فهل سنسمع مقولات كتلك التي سمعها الشاب من مديره بأنه لن يحجّ إلا بعد التقاعد؟

بقلم : أ.سعاد الزيرة

مقالات ذات صلة

حوار مع الدكتورة/ وجيهة صادق البحارنة – رئيسة جمعية البحرين النسائية – للتنمية الإنسانية

كيف نشأت فكرة تأسيس جمعية البحرين النسائية للتنمية الإنسانية ؟وإلى ما يرجع التميز في برامج وأنشطة الجمعية؟ جمعية البحرين النسائية للتنمية الإنسانية منظمة استشارية في المجلس الاقتصادي…

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *