خدعة تضارب القيم الأخلاقية

لفت انتباهي تعليقٌ على أحد الأخبار يقول: “إننا نعيش في عصر تُضرب فيه القيم بالقيم، حتى أصبح الإنسان حائرًا، لا يدري أيها يتبع، وغير قادر على تكوين رأي”. بقى هذا التعليق يدور في ذهني، وبدأت أتساءل: هل القيم تتضارب حقًا؟ ماذا نفعل حينما نرى موقف يصور أن الصراع في ذلك الموقف هو بين القيم؟


بعد هذا التعليق بدأت انتبه في أنه بالفعل في كثير من الأحيان يتم تصوير المواقف وكأنها ساحة صراع بين قيمتين، واحدة ينبغي أن تنتصر والأخرى أن تُهزم. نقف مثلاً بين الرحمة والصدق، فنظن أن الرحمة تعني أن نخفي الحقيقة كي لا نجرح الآخر، وأن الصدق يعني أن نقول كل شيء كما هو، مهما كان أثره قاسياً. كذلك الدفاع عن النفس يضرب بالسلام، والحرية بالالتزام، وهكذا حتى لا يستطيع الإنسان أن يتبين طريقه.


لكن لو دققنا في هذه المواقف لوجدنا شيئًا آخر. لقد خلق الله تعالى القيم الأخلاقية لتتكامل، لتجعل تفكيرنا وسلوكنا يرتقي، ولنتوصل إلى أفكار وحلول أكثر نبلا وإنسانية. فالحكمة تبدأ حين ندرك أن القيم النبيلة لا تتضارب، وإنما ما يتضارب غالبًا هي الطرق التي نعتقد أنها تحقق هذه القيم، أو الأولويات التي نعطيها لها في موقف معين. فبمجرد أن نرى أن قيمة تتضارب مع قيمة أخرى، فهذا يعني أن الطرق التي اخترناها لتحقيق هذه القيمة فيها خلل وتجاوز لقيمة أخرى.


فالصدق من دون رحمة قد يتحول إلى قسوة أنيقة، والرحمة من دون صدق قد تتحول إلى حماية تؤجل الألم ولا تعالجه. بينهما مساحة أكثر حكمة، مساحة نستطيع فيها أن نقول الحقيقة برحمة، وأن نحمي كرامة الآخر من غير أن نخفي الحقيقة. فالصدق ليس رخصة لإيذاء الناس، والرحمة ليست عذراً لتزييف الواقع. كلاهما يعملان معا ليساعداننا أن نكون أكثر نضجًا فنعرف متى نتكلم وماذا نقول.


مثال آخر يتكرر كثيرا، وهو حرية التعبير عن الرأي واحترام الاختلاف. فنجد منشور يشتم أصحاب دين أو ثقافة ما أو يستهزئ ويسخر من رأي شخص ما، أو يهين جنسيات بعينها ويطلق عليها أحكاما مجحفة، ويقول إن هذا يقع ضمن حرية التعبير، وكأن احترام الاختلاف هو ضد حرية التعبير. في حين أن الإنسان يستطيع أن يعبر عن رأيه بوضوح، من غير أن يلجأ إلى السخرية أو الإهانة، فاحترام الآخرين يجعل الرأي أكثر اتزانًا.


فعندما يتم وضعنا في موقف وكأن القيم تتضارب فيه، وأن علينا أن نصطف مع قيمة ضد أخرى، حينها علينا أن نحذر من الوقوع في هذه الخدعة ونبحث عن الطرق التي تم استخدامها لتحقيق هذه القيم، وأن نتذكر أن القيم مترابطة كخيوط تُنسج معًا لتكوّن نسيجًا أخلاقيًا واحدًا. وكلما أحسنّا وصلها ببعضها، اقتربنا من الحكمة والآراء الإبداعية النبيلة.

بقلم:د.رنا الصيرفي

مقالات ذات صلة

ما بعد السيجارة!

أشعل الأب سيجارته، وإذا بابنه يشهق بالبكاء، اقترب منه مذعورًا: “ما بك يا ولدي؟”، أجابه الطفل بصوت صادق لا يعرف المجاملة: “لأنك ستموت بسبب التدخين”.…

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *