العائلة فقيرة وسائقها فقيرٌ أيضا!

شرحت إحدى المعلمات مفهوم الفقر بأسلوب بسيط يناسب طلابها في السابعة من أعمارهم، وطلبت من إحدى الطالبات أن تعبّر عما فهمته بقصة. والطفلة كانت من أسرة غنية، فقالت بعفوية:”كان يا ما كان، أسرة فيها الأب فقير، الأم فقيرة، السائق فقير، والطباخ فقير، والعاملة المنزلية والحارس أيضا فقراء.

حاولت المعلمة أن تتمالك نفسها من الضحك، لأنَّها أدركت أنَّ الطفلة تتحدث من واقعها المحدود، إذ لم تختلط بالفقراء ولم تعرف الفقر حقيقةً، فلا تلام على قصتها.

القصة من عالم الأطفال وبراءتهم، لكنها تعكس واقعنا نحن الكبار، حين نسمع كلمات أو نرى مواقف من الآخرين، ونبدأ باتهامهم بعدم الفهم أو قلة الدراية، مستخدمين عبارات مثل:

 “لو كنت مكانه لفعلت كذا وكذا ” أو

لو كنت مكانه لقلت كذا وكذا“.

عبارات من السهل قولها، لكنها قاسية في أثرها، إذ تتجاهل أنَّ الآخر لا يعيش ظروفنا ولا يحمل خلفياتنا. فلكل إنسان تركيبته المعقدة التي تصوغ قراراته، وأحكامنا تظل ناقصة ما لم نبذل جهداً واعياً لفهم الظروف والعوامل التي شكّلت ذلك تلك القرارات. وفي علم النفس يُعرف هذا السلوك بمغالطة الإسقاط (Projection Bias)، أي إسقاط تجربتنا أو شعورنا على ظروف الآخرين دون معرفة واقعهم الفعلي. فنسلك المسار السهل عبر انتقاد الآخر بدلاً من أخذ الدور الأصعب وهو الرغبة الصادقة في المساعدة، والتي تكون مقرونة بالصبر وبمنح الوقت الكافي للطرف الآخر بإعادة النظر، مع استخدام الأسلوب الهادئ الذي يأخذ بيده بدلا من اتهامه.

تذكرت الآية الكريمة ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾، فهي أمر منه سبحانه وتعالى، تظهر توجيهاً للنبي (ص) بأخلاقه الرفيعة لشمول نفسه بالضلال، تواضعاً بعدم التعالي على فهم الآخرين، رغم علمه المؤكد بالحق الذي جاء به. هذا التواضع يفتح ثغرة في عقول الآخرين لدخول النور وفهم الطريق الصحيح بأنفسهم، ويُشكّل لنا درساً نحن الذين لا نملك اليقين الكامل في أي فهم، لنقتدي بالنبي (ص) في التوجيه بلطف وحكمة، دون الحكم على الآخر أو التعالي عليه.

في عالمنا اليوم واحتكاكنا بالثقافات والجنسيات المتعددة، فإننا أحوج لقبول اختلاف الآخرين ومنح أنفسنا واياهم مساحة للعذر والفهم، وإلا سنظل محكومين بأحكام سطحية كالطفلة التي روت قصة العائلة الفقيرة وقالت سائقها فقير أيضاً.

بقلم:أ.منى العلوي

مقالات ذات صلة

تشكيل الهوية الفطرية (الجنسية) للطفل، متى؟

يعتقد البعض عندما يسمع مصطلح الهوية الفطرية أو الجنسية، بمعنى أن يتعرف الطفل على هويته كذكر أو أنثى، بأنه إما أمر لا يجب التفكير فيه فهو تلقائي أو أنه أمر نحتاج أن نفكر فيه ونهتم بأمره عند اقتراب الطفل من سن البلوغ. ولكن الهويات بشكل عام هي قواعد أساسية لدى الإنسان، لذلك فإنها تتشكل منذ سنوات حياته الأولى.. فالهوية الجنسية تبدأ  بالتشكل في…

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *