” لا” النسائية العربية

وقفت امرأة عربية أمام منعطف حاسم في مسيرة حياتها، فقالت ” لا ”  في وجه الاستبداد، و ” لا ”  للفساد، و ” لا ”  لتهميش المرأة. 

إنها توكّل كرمان، الناشطة اليمنية التي خرجت من قلب مجتمعٍ محافظٍ أنهكته الأزمات السياسية وأثقلته الأعراف الاجتماعية الصارمة. 

لم يكن الطريق أمامها مفروشًا بالتصفيق، بل بالأحكام المسبقة والخوف من التغيير. في بلدٍ اعتادت نساؤه أن يعبّرن عن آرائهن في الخفاء، خرجت توكل إلى العلن لتقول:  ” لا ”  واجهت حملات تشويه، واتُهمت بأنها خرجت عن “دورها الطبيعي” ، لكنها في المقابل حركت ما كان ساكنًا في الوعي الجمعي.

دفعت لكلمتها ” لا ”  ثمنًا باهظًا من راحتها وأمنها، لكنها منحتها مكانة عالمية حين أصبحت أول امرأة عربية تفوز بجائزة نوبل للسلام عام 2011.

لم تكن ” لا ”  تحديًا للرجال أو للمجتمع، كانت إعلانًا أن الحرية والكرامة ليستا منحة من أحد، بل حقًا أصيلًا يجب أن يُستعاد.

غير أن حكايتها ليست سوى مرآة لرحلة المرأة العربية بأكملها في مواجهة أنظمة القهر والتهميش الممتدة قرونًا. 

في مصر، خرجت النساء في ثورات ومعارك نقابية دفاعًا عن العدالة والمساواة. وفي فلسطين، واجهن الاحتلال بسلاح الكلمة والصمود. وفي لبنان والسودان وسوريا والمغرب وغيرها، قلن ” لا ”  للعنف السياسي والطائفي، وللذكورية في الخطاب والمجال العام. 

إنها الـ ” لا ”  ذاتها التي تتردّد من أقصى المشرق إلى المغرب بمعانٍ متجددة: ” لا ”  للعنف بكل أشكاله، ” لا ”  لحرمان المرأة من العمل والمواطنة الكاملة، ” لا ”  للتهميش الثقافي والإعلامي والسياسي، ” لا ”  للقوانين التي تحكمها بمعايير غير عادلة.

هذه الـ ” لا ”  تمثل لحظة يقظة ووعي بالذات؛ هي عودة لجوهر قيم الخلق والكرامة الإنسانية. 

إنها ” لا ”  إيجابية، أخلاقية، وروحية.

في المنظور الإسلامي، قامت أول كلمة في شهادة التوحيد على “لا”: “لا إله إلا الله”، فهي تبدأ بالنفي لتثبت ما بعدها، وتحررٌ يفتح الطريق إلى الحقيقة. 

وهكذا، تصبح “لا” النسائية العربية نفيًا للاستبداد وإثباتًا لقيمة العدالة والمساواة التي خُلق عليها الإنسان. 

بهذا المعنى، تُصبح “لا” النسائية العربية عنصرًا فاعلًا في مشروع التنمية المستدامة؛ لأنها ضد الجمود وضد كل خطاب يحبس المرأة في أدوار ناقصة الإنسانية. 

وليست هذه الكلمة صدىً لفكر غربي، لأنها تعبيرًا أصيلًا عن روح عربية إسلامية، تؤمن بأن الحرية جزء من الرسالة التي جاءت لتحرر الإنسان من كل أشكال العبودية، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو فكرية. 

هكذا تتحول “لا” إلى فعل تطهيرٍ حضاريّ، تطهّر النفس من الخضوع، والمجتمع من القهر، والثقافة من البلادة. 

وفي النهاية، تبقى “لا” النسائية العربية كلمة حياة، وإعلان عن ميلاد جديد للكرامة والحرية والعدل. 

وكل امرأةٍ تقول “لا” اليوم، تمهّد الطريق لأن تقول غدًا “نعم” لمجتمعٍ أكثر إنصافًا وسلامًا ونورًا.

بقلم:م.صبا العصفور

مقالات ذات صلة

النساء أولا

في الثقافة الغربية عندما تهمّ امرأة بدخول بوابة أي منشأة يبادر الرجل بفتح الباب لها قائلا: (ladies first) أي النساء أولا، وتُتبع حاليا في معظم…

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *