التاريخ… يكتبه الرجال
يقال إنَّ التاريخ يكتبه المنتصرون، لكن هناك مقولة أخرى لا تقل إثارة: “التاريخ يكتبه الرجال”.
وحين نتصفح كتب التاريخ القديم والحديث، تُدهشنا ذاكرته العوراء، ذكورية شديدة الحدّة، وأنثوية شبه منسيّة.
فإذا قلبنا صفحات التاريخ العلمي، وجدنا العالمة البريطانية روزاليند فرانكلين، التي أسهمت في اكتشاف بنية الحمض النووي (DNA)، دون أن يُذكر اسمها بين الحاصلين على نوبل. والعالمة ليزه مايتنر التي فسّرت الانشطار النووي، فتنكّر لها التاريخ ذاته.
وفي العالم الإسلامي أيضاً نساءٌ صَنَعْنَ بصماتِهِنَّ الحضارية، وإن خفت ذكرهنّ في ذاكرة الأجيال، فاطمة الفهرية مؤسسة جامعة القرويين في فاس، أقدم جامعة قائمة في العالم؛ وزبيدة بنت جعفر المنصور التي أمرت بإنشاء “عين زبيدة” لشق طريق الماء للحجاج بين مكة والمدينة؛ وعائشة التيمورية وملك حفني ناصف رائدتا النهضة الأدبية النسوية في القرن التاسع عشر وغيرهن كثيرات.
إذاً، المشكلة لم تكن في قلة إنجازات النساء، ولكن فيمن يعترف بها ويدون أسماءها ويحدد بطولاتها. إنَّها قضية عدالة معرفية وليست تنافسية بين الجنسين.
وما زالت معايير تقييم المرأة في الحاضر متفاوتة. فعندما تنجح، يتم تفقد أخطائها لتقليص مكتسباتها، وإذا أخفقت، تلتصق التجربة بجنسها كله. أما فشل الرجل، فيُقرأ كحالة فردية لا تمسّ هيبة الذكورة.
ويزداد التحيزّ وضوحاً حين تخترق المرأة مجالات غير معهودة كمهندسة ميكانيكا معدات، حكمًا رياضيًا، أو رائدة فضاء. في تلك اللحظة يصبح وجودها “خبرًا بذاته”، وكفاءتها “معركة إثبات”.
وتُظهر بيانات المنتدى الاقتصادي العالمي 2023 أنَّ الفجوة بين الجنسين في العالم العربي لا تزال عند حدود 62%، فيما لا تتجاوز نسبة تمثيل النساء في البرلمانات العربية 21% بحسب تقرير الاتحاد البرلماني الدولي. أما في العلوم، فتشير بيانات اليونسكو 2021 إلى إنَّ النساء لا يُشكِّلْنَ سوى 33% من إجمالي الباحثين عالميًا، رغم أنَّهنّ أكثر من نصف خريجي الجامعات في كثير من الدول.
وهذا التفاوت في الاحصائيات هو استمرار رمزي لذلك التاريخ الناقص الذي كتب بأيدٍ نصف بشرية فقط.
إنَّ الإنصاف يبدأ من الحاضر، بإعادة كتابة السردية كما هي دون مبالغة أو إنكار أو استبعاد أي تجربة حضارية إنسانية.
من الضروري إعادة صياغة المناهج التعليمية لتضم رموزًا نسائية عربية ومسلمة، وأن تُنشأ أرشيفات رقمية تحفظ سير العالمات والمبدعات، ليُدركَ الجيل الجديد أنَّ التاريخ ذاكرة أُمّة وليس رواية من الماضي، وأنَّ صناعة المجد عمل مشترك بين الرجل والمرأة على السواء.
بقلم:م.صبا العصفور
استجابات