“ناقصة عقل”.. من يصبح ابنها؟

انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي لقاءً مثيرا بين المحامية والنائبة العراقية زينب جواد مع أحد الباحثين في الشأن السياسي بالعراق، استشهد الباحث خلاله ببعض “مرويات أو تفسيرات منسوبة للدين يُثار حولها جدل واسع”، مفادها أنّ “صوت المرأة عورة وأنَّها ناقصة عقل”، فردّت عليه المحامية بعبارة لاذعة: “حيا الله ابن الناقصة!”، الأمر الذي أثار استياءه وغضبه. 

لكن التساؤل يبقى: ما الذي جرحه حقًا؟ هل اعتبر ذلك مسًّا بكرامة والدته؟ إن كان مؤمنًا بصدقية هذا القول فوالدته مشمولة فيه بالضرورة، وإن شكك في صحته فلماذا يدافع عنه ويستثنيها؟ 

هذا المشهد يكشف نمطًا يتكرر في نقاشاتنا: ننتقي من المرويات والتقاليد ما يخدم أفكارنا ونغضّ الطرف عمّا يناقضها، ففي الأسرة مثلًا، يُربَّى الطفل الذكر على امتلاك الامتيازات والريادة، بينما يُطلب من أخته الصمت أو الطاعة، وحين يكبر، يمتدح الرجل صبر أمه وتضحياتها ثم يستخفّ بزوجته ويهددها بالطلاق عند كل خلاف، وفي تناقض آخر، يتم اختيار المرأة العاقلة -والتي كانت ناقصة قبل قليل- كزوجة لتعيد تربية وانحرافات ابنهم المدلل.

أما في الحياة اليومية فالصورة أوضح: “خلك رجل ولا تبكي مثل النساء”، “اصطلب ولا تنهار كأنك امرأة”، “لا تقد السيارة مثل البنات” إلى آخر هذه الأمثلة التي تفضح ازدواجية النظرة. 

هكذا تتحول القوّة عند الرجل إلى قسوة، وتُختزل الرقّة عند المرأة إلى ضعف، وهو خطاب يسيء للجميع، لأنه يضع الذكورة في مواجهة الأنوثة، ويجعل كل طرف سبب نقصان الآخر، وهذه المقاربات هي معركة خاسرة ليس للرجل والمرأة فحسب، بل للمجتمع ككل.

لقد آن الأوان أن نتوقف عن إعادة تدوير هذه المقولات السلبية وأن نعيد الاعتبار لصورة المرأة كقيمة إنسانية مستقلة، لا كمعيار للمقارنة أو وسيلة للإهانة. إنَّ نهضتنا لا تبدأ بإهانة النصف الآخر، بل برؤية متوازنة، فالرجل والمرأة ليسا معيارًا لإلغاء أو لإهانة، بل خلفاء في الأرض ويشكلان قوتان متكاملتان للإعمار وبناء الحياة.

بقلم:م.صبا العصفور

مقالات ذات صلة

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *