حين يتحدث الطفل بلغة لا يسمعها الكبار

لكل طفل لغته الخاصة في تفسير ما يدور حوله، بل وحتى في فهم أحلامه ومشاعره ومخاوفه. وما يراه الكبار أمرًا عاديًا، قد يترجمه الطفل بطريقة مختلفة، لأن فهمه للعالم يتشكل وفق عمره، وقدراته، وخبراته المحدودة، ومدى شعوره بالأمان مع والديه أو من يتولى تربيته. ولأن الطفل لا يمتلك دائمًا المفردات التي تصف ما يشعر به، فإنه يترجم ما بداخله إلى سلوك. فقد يتعلق بوالديه بصورة غير معتادة، أو يرفض ابتعادهما، أو يبدو عنيدًا أو غاضبًا أو حتى عدوانيًا. وفي كثير من الأحيان يكون هذا السلوك رسالة صامتة، لا مشكلة تستحق العقاب.

فقد يصر طفل، على غير عادته، ألا يخرج والداه من المنزل في وقت معين. بالنسبة للوالدين يبدو الأمر غريبًا، لكن بالنسبة للطفل قد يكون خوفًا لا يستطيع وصفه، أو حلمًا أقلقه، أو موقفًا أربكه، فكانت طريقته الوحيدة للتعبير هي التمسك بوالديه، في هذه اللحظات، لا يحتاج الطفل إلى التوبيخ أو السخرية، وإنما يحتاج إلى قلب يصغي إليه، ويمنحه الوقت ليعبر عما في داخله، ويشعره بالأمان.

فطرة الطفل نقية، وروحه شفافة، وقلبه لم تلوثه بعد تعقيدات الحياة ولا ضجيجها. ينظر إلى العالم بعين البراءة التي أودعها الله فيه، وبفطرة سليمة لم يشبها التشويش أو المصالح أو الأحكام المسبقة. لذلك قد يشعر بأمور لا يستطيع تفسيرها، ويلتقط من المشاعر والإشارات ما يعجز عن التعبير عنه بالكلمات، فتكون تصرفاته هي اللغة التي يتحدث بها إلى من حوله. ولهذه الفطرة صفاء يجعل الطفل يشعر بأمور قد لا يستطيع تفسيرها أو التعبير عنها، فيترجمها بسلوك يحتاج إلى من يفهمه، لا إلى من يدينه.

إن إهمال مشاعر الطفل أو مقابلتها بالصراخ أو الاستهزاء قد يدفعه إلى كبت ما بداخله، فتتراكم المشاعر حتى تتحول إلى عناد، أو خوف، أو عدوانية، أو انسحاب، أو تعلق بغير والديه بحثًا عن الأمان. أما عندما يجد الاحتواء والحوار، فإنه يتعلم كيف يفهم نفسه ويعبر عنها بثقة وطمأنينة.

إن تغير سلوك الطفل ليس دعوةً للحكم عليه، بل دعوةٌ لمراجعة أسلوبنا في التعامل معه. فالأطفال لا يزالون يتعلمون كيف يفهمون الحياة، أما نحن فقد منحنا الله العقل والخبرة لنكون لهم سندًا وموجهين. فلنسأل أنفسنا دائمًا: هل استمعنا إلى الطفل قبل أن نحكم عليه؟ وهل فهمنا الرسالة التي يحاول إيصالها من خلال سلوكه؟ فربما لم يكن بحاجة إلى عقوبة، بل إلى حضنٍ يطمئنه، وأذنٍ تنصت إليه، وقلبٍ يترجم صمته قبل كلماته. عندها نكون قد أدينا الأمانة التي استرعانا الله عليها، وأحسنّا تربية من استودعنا إياهم.

بقلم:أ.نادية العلوي

مقالات ذات صلة

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *