ما الذي يملأ بيوتنا؟

هل يُعقل أن يتعمد أحدٌ إلقاء القمامة في منزله؟ وأن تكون هذه القمامة، بما تخلّفه من آثارٍ وروائحَ وأضرار، لا تمثّل له أيَّ مشكلةٍ أو ضيق؟ بل ربما يألف وجودها وتراكمها يومًا بعد يوم.

قد لا يفعل ذلك بيده كل يوم، لكنَّه قد يفعله بطريقةٍ أخرى…

فالقمامة التي نلقيها في بيوتنا ليست دائمًا أكياسًا وأوساخًا، بل كلماتٍ جارحة، وسخريةً عابرة، ومقارناتٍ مؤلمة، وأحكامًا قاسية تتسلّل إلى قلوب أطفالنا يومًا بعد يوم.

سُئلت امرأةٌ في الأربعين من عمرها عن أكثر جملةٍ ما زالت تؤلمها، فقالت:

“كنتُ في التاسعة من عمري حين أخطأتُ في إعداد شيءٍ بسيط، فقالت لي أمي غاضبة: أنتِ لا تنفعين لشيء.”

نسيت المرأة تفاصيل ذلك اليوم، لكنَّها لم تنسَ تلك الجملة. كانت تتردد في داخلها كلما أقدمت على تجربةٍ جديدة، وكأنها صوتٌ خفيٌّ يهمس لها:

“لن تنجحي… أنتِ لا تنفعين لشيء.”

قد لا يحتفظ الطفل بكل الكلمات التي يسمعها، لكنَّه لا ينسى بسهولة حين يُوصَف بالغبي أو الفاشل، وقد لا تظهر آثار تلك الكلمات

 فورًا، إلا أنه يحتفظ بها أحيانًا بوصفها حقيقةً عن نفسه. ومع تكرارها تتحول إلى قناعات، والقناعات إلى صورةٍ ذهنيةٍ عن الذات؛

فيبدأ بالنظر إلى نفسه من خلال الأوصاف التي سمعها، لا من خلال إمكاناته الحقيقية. والأخطر أنَّ هذه الكلمات تصبح مع الوقت

مألوفة؛ فيعتادها قائلها، ويألفها سامعها، حتى لا يعود أحد يشعر برائحتها النفسية الخانقة، تمامًا كما يعتاد بعض الناس تراكم

القمامة في زوايا المنزل فلا يعودون يرونها.

إنَّ البيت لا يحتاج إلى التنظيف من الغبار وحده، بل يحتاج أيضًا إلى تنظيفٍ دوري من السخرية، والتقليل من الشأن، والانتقاد المستمر، والغضب غير المنضبط.

إنَّ كلمةً طيبة قد تبني ثقةً تستمر سنوات، وكلمةً قاسية قد تترك جرحًا يحتاج سنوات ليلتئم.

لذلك، قبل أن نتحدث، لنسأل أنفسنا:

هل ما سأقوله سيضيف إلى هذا البيت نورًا وهواءً نقيًا؟

أم أنَّه مجرد قطعة جديدة من القمامة ألقيها في قلب من أحب؟

هل يمكنني أن أوصل ما أريده بدون استخدام كلمات جارحة؟ هل أستطيع أن أصحّح خطأ ما قام به أحدهم مع الحفاظ على كرامته من الاتساخ؟

بقلم:أ.نجاح إسماعيل

مقالات ذات صلة

ما بعد السيجارة!

أشعل الأب سيجارته، وإذا بابنه يشهق بالبكاء، اقترب منه مذعورًا: “ما بك يا ولدي؟”، أجابه الطفل بصوت صادق لا يعرف المجاملة: “لأنك ستموت بسبب التدخين”.…

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *