هل سكونها يُربك السكن؟

في السنوات الأخيرة تصاعدت الدعوات المطالِبة باستقلالية المرأة وحقها في اتخاذ قراراتها بحرية تامة دون وصاية من أحد، وهي دعوة عادلة في جوهرها تنطلق من مبدأ إنساني أصيل، فالمـرأة كائن كامل الأهلية والكرامة الإنسانية.

غير أنَّ هذا الخطاب الذي يتردد في المنابر والإعلام وفضاءات التواصل يتعرض أحياناً لتحريف يخرجه عن مساره الصحيح، فيتحول من فكرة التمكين الواعي إلى حالة من الانفصال العاطفي والاجتماعي يمكن وصفها بأنَّها “حق يراد به باطل”.  

لقد أصبحت مفاهيم العناية بالذات تتسلل إلى وعي المرأة عبر خطاب إعلامي تسويقي، تعزّزه نصائح الصديقات ومدربو التنمية الذاتية “الكوتشينغ”، ليجعل من الاهتمام بالنفس أولوية مطلقة. فتتحول الراحة النفسية إلى مبرّر للانسحاب من المسؤوليات، فيصل الأمر أحياناً إلى إنفاق الوقت والمال على جلسات التأمل ورحلات الاستجمام واللقاءات الاجتماعية على حساب استقرار البيت والعائلة.

من المؤكد أنَّ للمرأة حقاً في الراحة والعناية بنفسها، فهي بشر تحتاج لفسحة لتجدّد طاقتها وتستعيد توازنها. إلا أنَّه لا يجوز أن تتحول فكرة “الأولوية” إلى تبرير للأنانية أو الإهمال. إنَّ الزواج في جوهره ليس مجرد عقد اجتماعي، بل هو سكن روحي وبدني وفكري، يقوم على الطمأنينة والتكامل والمودة. وعندما تطغى الفردانية المطلقة على هذه العلاقة، يفقد البيت روحه وتتعثر المرأة بين الحرية والمسؤولية.

المشكلة الحقيقية تكمن في اختلال ترتيب الأولويات. فالنفس، والأبناء، والزوج، والعمل، كلها أطراف في دائرة الحياة، تتقدم وتتراجع بحسب الظروف ولكنَّها لا تُلغى. والنجاح يكمن في فن الموازنة بين تلك المتطلبات، والمرأة إلى حدٍ كبير قادرة بطبيعتها التنظيمية والعاطفية على خلق انسجام بين ذاتها ومسؤولياتها، لمعرفتها أنَّ كل جانب منها يغذي الآخر.

وسط هذا الزخم تبرز الحاجة للعودة إلى السؤال الجوهري: لماذا نتزوج؟ هل الزواج خطوة واعية لبناء أسرة مستقرة، أم أنَّه مجرد بند اجتماعي في قائمة الإنجازات الشخصية؟

الحرية التي ننشدها ليست انفلاتاً من الروابط. وإنَّ تكوين الأسرة يعني مشروع حياة، يحتاج إلى عقل واعٍ وقلب منفتح وحضن دافئ وبيئة آمنة تُمكّن الأبناء من النمو بثقة واتزان. ودور المرأة هو سر توازنه العاطفي والروحي لا كعاملة منزلية أو ضحية للتقاليد. عندما تدرك المرأة أنَّ راحتها لا تعني إهمال نفسها أو أسرتها، تستطيع أن تجعل بيتها أنسا وسكونا وملجًأ للجميع.

بقلم:م.صبا العصفور

مقالات ذات صلة

تشكيل الهوية الفطرية (الجنسية) للطفل، متى؟

يعتقد البعض عندما يسمع مصطلح الهوية الفطرية أو الجنسية، بمعنى أن يتعرف الطفل على هويته كذكر أو أنثى، بأنه إما أمر لا يجب التفكير فيه فهو تلقائي أو أنه أمر نحتاج أن نفكر فيه ونهتم بأمره عند اقتراب الطفل من سن البلوغ. ولكن الهويات بشكل عام هي قواعد أساسية لدى الإنسان، لذلك فإنها تتشكل منذ سنوات حياته الأولى.. فالهوية الجنسية تبدأ  بالتشكل في…

حوار مع الدكتورة/ وجيهة صادق البحارنة – رئيسة جمعية البحرين النسائية – للتنمية الإنسانية

كيف نشأت فكرة تأسيس جمعية البحرين النسائية للتنمية الإنسانية ؟وإلى ما يرجع التميز في برامج وأنشطة الجمعية؟ جمعية البحرين النسائية للتنمية الإنسانية منظمة استشارية في المجلس الاقتصادي…

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *