مو من مواخيذنا

في مجتمعاتنا، لا تزال بعض الحواجز تُبنى بصمت فتُعيق أجمل الروابط الإنسانية.

فتاة مهذبة وعلى مشارف التخرج، تقدّم لخطبتها شاب خلوق من أسرة كريمة، فكان الرد القاطع: “مو من مواخيذنا”. لم يكن الاعتراض على خُلقه أو دينه، بل على لون بشرته فقط.

وفي حيّ آخر، عائلتان متجاورتان لأكثر من خمسة عشر عاماً، تقاسمتا الأفراح والأحزان، ونشأت بين أبنائهما علاقة حب ناضجة. حلم الحبيبان أن تتحول إلى نسب، لكن الحلم انتهى، قالت العائلتان الجارتان: “مو من مواخيذنا”، لأن المذهب مختلف.

حتى مصاهرة الأقارب لم تسلم من “مو من مواخيذنا”، حيث رُفض الخطيب حين تقدم لطلب ابنة خالته، لأن الخالة بعد زواجها انتمت للطبقة المخملية التي تتعالى على الارتباط بالطبقة العادية من الناس.

هذه القصص مع الأسف تتكرر في بيوتٍ كثيرة؛ اختلافات في العرق أو المذهب أو الطبقة الاجتماعية، لتتحول إلى جدران تعزل الإنسان عن أخيه الإنسان. وهنا يبرز السؤال: كيف يشعر الإنسان الذي رُفض لأنه مختلف؟ وهل نشعر بأنه تهديد لهويتنا؟ أم لأننا ورثنا تصنيفات جعلت الانتماء أعلى من الإنسان نفسه؟

كثيراً ما تتحول الاختلافات من مساحة للتعارف إلى حصون إقصاء، فلا يعود اللون لوناً، ولا المذهب اجتهاداً، إنما تتحول إلى معايير فرز تُعيد إنتاج طبقات اجتماعية يتوارثها الناس كما يتوارثون الألقاب.

قال رسولنا الكريم (ص): ” إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض”. فقد وضع لنا معايير واضحة لاختيار الشريك الكفء، ولم يكن اللون أو المال أو المذهب من ضمنها.

وروي عنه (ص) أنه زوّج الصحابي الجليل جُليبيب (رض) وهو رجل أسود فقير قصير القامة، من ابنة أحد الأنصار، وكانت جميلة وذات مكانة، ورغم تردد أهلها أطاعوا أمر النبي (ص)، فكان زواجاً مباركاً ينسف قواعد الجاهلية ويؤسس لقواعد صحيحة لبناء مجتمع مترابط.

إن بناء مجتمع متماسك لا يتحقق بالانغلاق على اللون أو المذهب أو الطبقة، بل بالانفتاح على قيم الدين والخلق.

التغيير يبدأ من محضن يُربّي أبناءه على أن الاختلاف جمال، فكم رأينا من شبابٍ تزوجوا ممن لا يشبهونهم إلا في “الخلق والدين”، واليوم يعيشون حياة مليئة بالسكينة، وصارت قصصهم تُروى لتقيم ميزان العدل في الحبّ والاختيار.

فلعلّ الجيل القادم ينشأ وفي قلبه يقينٌ بأن الكرامة لا لون لها، وأن الزواج اتحاد أرواح، لا تحالف أنساب.

بقلم:م.صبا العصفور

مقالات ذات صلة

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *