تحوّل في العلاقات
كنتُ في حديث مع صديقتي، فقالت: “في السابق كان العمُ أو الخالُ شريكًا في التربية، له كلمة مسموعة ودور في التوجيه. أما اليوم، فقد انتقل هذا العبء بأكمله إلى الأسرة النووية، ولم يعد الأبناء يتقبّلون النصح من خارجها.”
وافقتها الرأي، لكن سؤالًا ظلّ يلحّ عليّ: لماذا تغيّر هذا الدور؟
بعد تأمّلٍ، أدركت أنّ المشكلة لا تكمن في الأبناء، بل في تحوّل بُنية الحياة نفسها، في الماضي كانت الأسرة الممتدة تعيش تحت سقف واحد أو في محيط واحد؛ يأكلون معًا، يتشاركون التفاصيل اليومية، فينشأ بين العم أو الخال والطفل رصيد عاطفي يسمح بالتوجيه والتأثير.
أما اليوم، فقد تقلّص هذا التواصل، وضعفت المساحات المشتركة، فضعفت – تبعًا لذلك – العلاقة التي كانت تُنتج ذلك الدور.
وحين تغيب العلاقة، تصبح المطالبة بذلك الدور غير مجدية فلا يمكن أن نطلب الأثر دون أن نوفّر أسبابه. ومع ذلك، فهذا لا يعني أن العلاقة قد انتهت، بل يعني فقط أن توقعها بشكلها القديم لم يعد ممكناً إلا في بعض الأُسر التي لازالت محافظة على علاقاتها. أما حين تتغير أشكال العلاقات، فنحن بحاجة إلى صيغة جديدة لها.
في الكثير من العائلات تغير نمط الحياة مما جعل عملية نسخ نمط التربية السابق أمرًا غير ممكنٍ. هذه التغيرات وضعت المربي أمام مسؤولية جديدة وهي العمل على صياغة أشكال حديثة للعلاقات الإنسانية، تحفظ جوهرها الإنساني والقيمي، وتراعي في الوقت ذاته بنية الحياة الجديدة.
أتذكر في هذا السياق عمةً سكنت بالقرب منها ابنة أخيها، فكانت تحرص على دعوتها بين الحين والآخر للغذاء أو العشاء، هذه المبادرات من العمة كانت غنية في أثرها؛ خلقت ألفة، وبنت جسور ثقة، ومهّدت لتأثير هادئ غير مباشر.
ومثال آخر الأب الذي قال لابنه: “خالك لديه خبرة كبيرة في المجال الذي تريد التخصص فيه، وهو يستطيع أن يساعدك.”، فالأب هنا فتح باب من العلاقة مع الخال من خلال اهتمام مشترك، تحولت بعد ذلك إلى علاقة أقرب وأقوى.
قد لا يستطيع العم أو الخال اليوم أن يخوض في قضايا تربوية حساسة، لكنه يستطيع أن يحافظ على خيط دافئ من التواصل. وهنا يتحوّل التأثير من المباشر إلى غير المباشر، ومن الوعظ إلى القدوة.
فحين تتغير بنية الحياة، لا تنتهي الأدوار… بل تطلب لغة جديدة لتُمارس بها.
بقلم:د.رنا الصيرفي
استجابات