نبش القبور
في جلسة صلح بين زوجين اختلفا لبعض الأسباب حضرها نفر قليل من عقلاء العائلتين، فأخذ كل من الزوجين باستعراض مساوئ تصرفات الآخر وسلوكياته، فقالت إحدى المصلحات: “يا أبنائي الحديث عن الماضي بمثابة نبش القبور، لا تغنم منها إلا الجِيَف والعظام!”.
كلمات امرأة عركتها الحياة وصاغتها التجارب المريرة، كلمات تصلح أن تكون حكمة لكل خلاف تتدافع فيه الألسنة.
فعلًا، بعد النزاع قد نحتاج أن نطوي الصفحة، وأن نمنح أنفسنا بداية ناصعة لا يلوّثها ما سبق، الماضي لا يُعيد حياةً ولا يُنبت ثمارًا، بل يورّث رائحة العفن وبقايا موتى.
كم من وقت أهدرناه ونحن ندور في الماضي كما تدور المروحة على التراب! لا ينتج منها سوى غبار خانق يثير السعال.
للماضي أطراف متعددة، ولكلٍّ زاوية يرى منها المشهد، ومع مرور الزمن تتراكم طبقات الغبار على الصورة حتى تختفي معالمها، ولهذا فالصورة الكاملة للحدث لا وجود لها؛ بل مشاهد مبتورة، وخاطئة غالبًا.
لذلك، في النزاعات بين الأزواج، أو بين الإخوة والأقارب والأصحاب، الأجدى أن نشرع في الصفح، وأن نرضى ببعض الخسائر، لأنَّ ما يُعوّضه الصفح والسلام أعظم، وليست كل المعارك فيها رابح وخاسر؛ أحيانًا يكون الرابح الحقيقي هو من يختار التعايش بضمير مطمئن، وأحيانًا تكون الخسارة الظاهرية هي عين الربح.
بعد خروج نيلسون مانديلا من السجن، دعا أحد حرّاسه القدامى إلى العشاء، وعندما سأله أحدهم: “كيف تجلس مع من ظلمك؟”، أجاب بهدوء: “لأني عندما خرجت من السجن، كنت أعلم إن لم أترك مرارتي خلفي، فسأبقى سجينًا”، لذلك لم يسعَ مانديلا لكسب المعركة بالانتقام، بل اختار خسارة لحظة غضب ليربح حياة السلام، وأبقى جسور العلاقة الإنسانية ممدودة.
إنَّ اجترار الماضي قد يقتل الحاضر ويشوّه صورة المستقبل، أما الصفح والغفران فهما اختيار حرّ لاستعادة الحياة، فحين نترك “القبور” لترقد، نمنح مستقبلنا إمكانية أن يولد بسلام، وربما الرضا بالخسارة الظاهرية هو النصر الحقيقي.
بقلم:م.صبا العصفور
استجابات