الحب المشروط

في لحظة يفترض أن تُبنى على الفرح والثقة، اشترطت فتاة – قبل عقد قرانها – أنَّ يكون لها حق تطليق نفسها إذا خانها زوجها، أو مارس ضدها العنف، أو قرّر الارتباط بأخرى. لم تتكلم من فراغ، بل من خوف عميق صنعته تجارب مؤلمة رأت فيها نساءً يتعرضن للخذلان والانكسار، لكن المفاجأة أن خطيبها اعتبر الشرط “إهانة” له، فانسحب رافضًا إتمام الزواج. 

ومع أنَّ القوانين وُجدت أساسًا لحماية الأسرة وصون الميثاق الغليظ، ما زلنا نرى نساء يعانين في أروقة المحاكم عند طلب الطلاق أو الخلع أو الحضانة، وهنا يبرز السؤال: هل المشكلة في القوانين ذاتها؟ أم في طريقة تطبيقها؟ أم أنَّ العقود لم تُكتب بالوضوح الكافي للطرفين؟ 

الكثير من الفتيات اليوم أصبحنَّ أكثر وعيًا بحقوقهن، فيضعن شروطًا مسبقة: كحق السكن المستقل، أو مواصلة الدراسة، أو حرية الاختيار في العمل والسفر، وهذه المطالب ليست خططًا للانفصال، بل محاولات لخلق حدود أمان وضمانات وقائية، تمامًا كما يحق للرجل أيضًا أن يضع ما يحفظ له كرامته واستقراره. 

فلماذا إذن يشعر بعض الرجال بالتهديد حين تُكتب الشروط بوضوح؟ هل الوضوح اتهام؟ أم هو عكس ذلك: أسلوب شفاف لبناء الثقة؟ 

الحقيقة أنَّ الزواج الذي يبدأ بحدود متفق عليها وحقوق واضحة هو الأقدر على الاستمرار، لأنَّه لا يترك مساحة للغموض ولا للمفاجآت المؤلمة.

المطلوب أنَّ تكون وثيقة الزواج شاملة بقائمة خيارات تحتوي احتمالات الحياة كلها؛ مثل آليات النفقة، حقوق تربية الأطفال، مواجهة الطوارئ المالية، أو كيفية التعامل مع قرار الانتقال لبلد جديد، أو الانفصال، أو الذمة المالية وغيرها، ثم يستثني الطرفان ما لا يناسبهما منها، فيرتفع الحرج وتزول الحساسيات. 

الميثاق الغليظ لا يُكتب بالحبر فقط، بل بالطمأنينة التي يشعر بها القلب حين يعرف أنَّ حقه مصان، ولأنَّ الزواج شراكة متكافئة، فالأمان حق للمرأة كما هو حق للرجل، والوضوح ليس خصومة، بل أصدق تعبير عن الحب.

بقلم:م.صبا العصفور

مقالات ذات صلة

ابنتك الضحية التالية

منذ ثمانينات القرن الماضي بذلت الجمعيات النسائية جهودا مضنية لاستصدار “قانون الأسرة” لتنظيم معاملات الزواج والطلاق والحضانة والنفقة وغيرها بما يضمن حقوق جميع الأطراف بدون…

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *