سعيد وينتحر؟

نقرأ كل يوم عن دول تتصدر قوائم السعادة، وعن شعوب يُقال إنها تعيش أفضل حياة ممكنة.

تقرير السعادة العالمي لعام 2026، المعتمد على مؤشرات الصحة والحرية والدعم الاجتماعي، يضع الدول الثرية والمستقرة في الصدارة؛ فتأتي فنلندا أولًا، بينما تتذيل أفغانستان القائمة.

لكن خلف هذه الأرقام قصة أخرى قلّما تُروى، يحكي أحد الذين نشأوا في السويد وتعلموا في أرقى المدارس أن أربعة من زملائه في المرحلة الثانوية حاولوا الانتحار، وأن الأدوية المضادة للاكتئاب من الأكثر مبيعًا.

فكيف لإنسان يعيش في رفاهية، بدخل جيد وتعليم متقدم ورعاية صحية متكاملة، أن يشعر باليأس؟ كيف تبدو الحياة مكتملة من الخارج لكنها ناقصة من الداخل؟

ربما تكمن المشكلة في طبيعة الحياة الحديثة نفسها؛ حيث يتحول الإنسان إلى آلة إنجاز مستمرة، يُطلب منه أن ينجح ويتفوّق ويبني صورته الخاصة، وكأن حياته سباق لا يتوقف.

ومع اتساع الحرية يتسع عبء الاختيار، فيصبح مسؤولًا عن كل نتيجة، حتى عن تعاسته، وقد يشعر بالوحدة رغم العيش في أكثر المجتمعات تنظيمًا.

الأرقام ترفع مستوى المعيشة، لكنها لا تملأ القلب. فهي تقيس الدخل والعمر المتوقع وجودة الخدمات، لكنها لا تقيس دفء العلاقة، ولا شعور الانتماء، ولا حضور المعنى في تفاصيل الحياة.

هناك أبعاد إنسانية لا تدخل في الجداول، لكنها قد تكون أعمق أثرًا من أي مؤشر.

وعلى الجانب الآخر، قد يعيش إنسان ما ظروفًا قاسية وتحديات يومية وغياب أبسط مقومات الرفاهية، ومع ذلك يظل قادرًا على الاستمرار، لماذا؟

لأنه يملك ما لا يُقاس بالأرقام، مرتبطًا بالقيم الدينية والاجتماعية كالإيمان والقناعة والانتماء، قيما تمنحه إطارًا يرى من خلاله الألم أو أي شعور آخر جزءًا من قصة أكبر، ومعنى يتجاوز المنفعة المباشرة.

القضية إذن ليست مقارنة بين دول غنية وأخرى فقيرة، بل بين نوعين من السعادة: سعادة تُبنى على الخارج وقد تزول بتغير الظروف، وأخرى تنبع من الداخل فتمنح ثباتًا أعمق.

حين يتحول الإنسان إلى رقم، ينسى أن قلبه يحتاج معنى أكثر من إنجاز، وسببًا يحيا لأجله،، لا مجرد وسيلة للعيش.

وأحيانًا… يكون أخطر وهم نعيشه أننا “سعداء” فقط لأن الأرقام قالت ذلك.

بقلم:م.صبا العصفور

مقالات ذات صلة

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *