بالحب والثبات نبني حدودًا آمنة
قرّر الأبوان تحديد ساعة واحدة يوميًا لاستخدام الهاتف حمايةً لابنهما. التزما في البداية، لكن التعب وضغط الحياة جعلهما يتهاونان؛ مرّة يمنح الأب دقائق إضافية، ومرّة تسمح الأم لانشغالها. ومع تكرار التساهل، أدرك الابن أنَّ الحدود قابلة للتفاوض، فعاد لعاداته السابقة، وفقد القانون معناه.
في ظل عصر الطفرة المعلوماتية والتطوّر الرقمي المتسارع، اتجهت معظم الأسر إلى وضع ضوابط وقواعد تنظَّم سلوك الأبناء سعياً لحمايتهم من المخاطر الإلكترونية. فالقوانين أداة تربوية تهدف إلى غرس الانضباط وبناء الشخصية وتوفير بيئة آمنة. غير أنَّ التحدي الحقيقي غالبًا لا يكون في وضع القواعد، وإنَّما في الالتزام الواعي والمستمر بتطبيقها.
فقد يبدأ الآباء بعزيمة وحزم على تنفيذ أبنائهم للقوانين، ثم مع مرور الوقت ومع التحديات التي تواجههم يتساهلون أحيانًا. هذا التناقض يُربك الطفل، فيصبح غير مدرك لما هو مسموح وما هو ممنوع، ويبدأ في اختبار الحدود باستمرار. فاليوم يُمنع من أمر ما، وفي يوم آخر يُسمح له به دون سبب واضح، مما يضعف هيبة القوانين.
ولا يقف الأمر عند الوالدين؛ فالأجداد والمحبون أحيانًا، بدافع المحبة والعاطفة، يهدمون القواعد التي وضعها الأبوان. إذ تمنع الأم استخدام الجهاز، بينما تُقدّم الجدة هاتفها لحفيدها حبًا وشفقة. وهنا نكتشف أنَّ “الحب وحده لا يكفي، إن لم يرافقه وعي وتعاون” لأنَّ التربية المتوازنة تحتاج إلى قلوب محبة، لكنها ثابتة في مواقفها.
ولكي لا تتحول القوانين إلى صراع يومي بين الآباء والأبناء، لا بد من اعتماد آليات تربوية مصدرها الحب الواعي، تجعل أبنائنا يتقبلون الحدود ولا يرفضونها كمشاركة الطفل وشرح القانون له بلغة مناسبة لعمره، وإيجاد البدائل الإيجابية الممتعة ليملأ وقته ويخفف شعوره بالحرمان، ولابد من ايجاد التوافق مع المحيطين بالطفل من أجداد وأقارب، عبر الحوار اللطيف وتوضيح أنَّ الالتزام بالقوانين هو شكل من أشكال الحب والحماية. فحين يرى الطفل الكبار متفقين، يتعلم أنَّ الحدود رعاية مشتركة.
إنَّ بناء حدود آمنة لأطفالنا ليس فعلاً من المنع، بل من “الحب الراشد” الذي يدرك أنَّ الثبات هو وجه آخر للعطاء.
بقلم:أ.فضيلة حمّاد
استجابات