قرأ نعيه حيًّا فأحيا الحياة

أيّهما تفضّل: أن تضيف سنواتٍ إلى حياتك؟ أم تضيف حياةً إلى سنواتك؟
وماذا تختار أن تترك وراءك: ثروةً طائلة؟ أم سيرةً طيّبة؟
وتخيّل أن يُقال عن إنسان بعد رحيله: “ارتاحت العباد منه” بدلا ًمن “رحمه الله”…
وهل سمعت عن رجلٍ قرأ نعيه في الجريدة وهو لا يزال حيًّا؟
وأخيراً أنا وأنت أيها القارئ، بماذا سيُذكَر كلٌّ منّا؟
أسئلة تبدو متفرّقة، لكنها تصبُّ في سؤالٍ واحد:
ما الحياة الطيّبة التي نود أن نحياها، ويعتزّ بها أهلنا حين يُذكر اسمنا؟
أعود إلى عام 1888، حين توفي لودفيغ نوبل، شقيق ألفريد نوبل مخترع الديناميت، ونشرت صحيفة فرنسية نعياً بالخطأ ظنّاً منها أن المتوفى هو ألفريد، فجاء العنوان صادماً: “Le marchand de la mort est mort”
أي”تاجر الموت قد مات”. وكان نوبل قد سجّل اختراع الديناميت عام 1867 لاستخدامات مدنية، كشق الطرق والتعدين، لكنه لاحقاً تم استُخدمه في الحروب وأزهق أرواحا كثيرة، وراكم نوبل من وراء هذه التجارة ثروة ضخمة، فاكتسب لقباً بشعاً: تاجر الموت!
نعيا كهذا يقرأه أي إنسان عن نفسه وهو لا يزال حياً، لا شك أنه يُحدث زلزالاً في أعماقه. وربما تساءل نوبل حينها: “أهكذا سأُذكر بعد موتي؟”
سواء كان هذا الحدث هو الدافع الوحيد أم لا في يقظته، فإنَّ المحصلة هو أنه أوصى بتخصيص معظم ثروته لتأسيس جائزة تُمنح لمن يخدم البشرية في مجالات السلام والعلم والطب وغيرها، ومنذ عام 1901، ارتبط اسمه بجائزة نوبل كأرفع الجوائز العالمية.
تخيّلوا لو لم يُنشئ هذه الجائزة، ومات فعلاً بسمعة تاجر الموت!!
أي إرث كان سيتركه؟ وكم سيلحق من حرج لأسرته ووطنه!! لكنه اختار ما خلّده بشرف.
في كتاب “Die With Zero” للمؤلف بيل بيركنز، فكرة ذات علاقة، بأنَّ الحياة ليست بتكديس الثروات، بل بثراء التجارب، بحيث تصل لنهاية حياتك وقد استثمرت وقتك ومالك وطاقتك فيما يمنحك السعادة والذكريات، لا مجرد أرصدة مالية.
إنَّ التجارب العميقة هي التي تضفي للمرء سعة الأفق والنظرة الإنسانية، والسعي للمعنى ، فالأهم من عدد السنين التي نعيشها، هو حجم الحياة التي نضيفها في تلك السنين، بالحب، والعلم، والعطاء، وخدمة الآخرين. لنفكر فيمن سيرث اسمنا من بعدنا: أبناؤنا، وطننا، مجتمعنا…هل سيكون ذكرنا مصدر خجل؟ أم موضع أنباء سارة لهم؟ لقد دعا نبي الله إبراهيم عليه السلام: “واجعل لي لسان صدق في الآخرين”، فلنجعل من أعمارنا حياةً تترك إرثاً طيباً.
بقلم :أ.منى العلوي
استجابات