هل يعبّر السؤال عن قلق بريء

تفاجأ الأب بسؤال ابنه ذي الثلاث سنوات ونيف: كم مرة مت يا والدي؟

تلعثم الأب، ولم يسعفه عقله بجواب يليق بعقل صغير يبحث عن الحقيقة بلغة بريئة لا تعرف المجاز.

كثيرة هي الأسئلة التي يوجهها إلينا أطفالنا، وقد تربكنا أو تثير فينا شيئاً من الضيق، لا لشيء سوى أننا قد لا نملك دائماَ الإجابة المناسبة أو اللغة التي تقنعهم، فنلجأ أحياناً إلى الصمت، أو نعرض عنها تجاهلاً، فنغلق بذلك باباً من أبواب الاكتشاف والفهم لديهم، وهم في أمس الحاجة لمن ينير لهم الطريق نحو المعرفة والطمأنينة.

في هذا العمر الصغير، لا يميّز الطفل تمامًا بين الحقيقة والخيال لكنه يسمع عن الموت ويراه في مشاهد عابرة، أو يسمعه من كلمات مشوشة، تُخفي لديه مشاعر قلق لا يُحسن التعبير عنها، فتتكوّن داخله صور غامضة ومشاعر مضطربة فيتخيله كالنوم أو الغياب المؤقت، وقد يظنه يتكرر، لذا يحتاج من يفكّ رموزها، ويذيب ما أثقل قلبه الصغير من خوفٍ لا يُفهم.

  من الطبيعي ألا يكون المقصود من وراء سؤاله شرحاً تفصيلياً أو معلومات علمية مسهبة، بل قد يكون سؤاله نداءً لطمأنينة داخلية، وأن يسمع عبارة تبدّد قلقه، مثل: “أنا لم أمت ولا مرّة يا صغيري، أنا ما زلت حيًّا معك، وسأكون بجانبك” فستولّد هذه العبارة نوعاً من الاطمئنان والأمان.

لذا علينا نحن الآباء والمربين ألّا نُغلق باب الأسئلة في وجه أطفالنا، بل نتركه مشرّعًا أمام فضولهم، فكل سؤال يطرحونه هو خيطٌ يقودنا إلى عوالمهم الداخلية التي تحتاج منا إلى احتواء وفهم. لنصغى إليهم بكل اهتمام، دون مقاطعة أو تهوين، فحتى أبسط الأسئلة قد تخفي خلفها مشاعر وحاجات تنتظر من يلتقطها. ولنجعل إجاباتنا في متناول عقولهم الصغيرة، بكلمات واضحة وبسيطة، وإن عجزنا عن الإجابة، فلنقل بثقة: دعني أبحث لأجيبك. فبهذا نزرع في نفوسهم حبّ المعرفة، ونرشدهم إلى طريق البحث عن الحقيقة بأنفسهم

فكل سؤال يطرحه طفلك ليس مجرد كلمات، بل هو بوابة لعقولهم وقلوبهم للتعرّف على الخواطر والأسئلة التي تجول فيها، ومن ثم الاجابة عليها لأنها أحد أعمدة نموهم العقلي والمعرفي والنفسي التي تُساهم في بناء شخصيتهم، فمن أحسن التعامل معها بنى علاقة قائمة على الثقة، وفتح أمامهم طريقاً للنمو الآمن الواعي.

بقلم:أ.شفيقة الغسرة

مقالات ذات صلة

الأسئلة الخلاقة

إن كل فكرة عظيمة بدأت بسؤال، تلك الأسئلة الخلاقة التي تحرر مداركنا من معوقاتها وتحرك المياه الراكدة وتطلق العنان للمخيلة للبحث والتقصي والاستكشاف. هل نحفز…

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *