ربة البيت ما تشتغل!

المشهد الأول

عائلة مستورة، الأب موظف، والأبناء في مراحل عمرية مختلفة، أما الأم فهي ربة بيت، وبحسب التصنيف 

الشائع: الأب يعمل… والأم لا تعمل! مع أنها تطبخ، وتغسل، وتكوي،وتتابع الأبناء ..مدارسهم ومواعيدهم، 

وتدير تفاصيل البيت من الصباح حتى المساء. 

ومع كل هذا الجهد المستمر، يصرُّ المجتمع على حكمه: هي لا تعمل.

المشهد الثاني 

في عائلة أخرى متوسطة الدخل، تقف الزوجة كتفاً بكتف مع زوجها،الزوجة تحمل في هويتها وظيفة “ربة بيت”،لكنها تساعد زوجها في مشروعهما؛ تقوم بالتحضير والتعبئة، بينما يتولى هو التسويق والبيع. وفوق ذلك، تدير بيتها وأطفالها، وتشارك في رعاية أم زوجها المقعدة. 

لا راتب لهاولا وظيفة مسجلة، ورغم ذلك يظلُّ التصنيف السائد متمسكاً بعبارته: هي ( ما تشتغل).

المشهد الثالث 

امرأة موظفة تساهم في جزء كبير من مصروفات الأسرة، واستغنت عن العاملة المنزلية لتوفر المال لشراء بيت العمر. تعمل خارج البيت، وتعود لتبدأ دوامًا آخر داخله. 

ثلاث قصص مختلفة… لكنها تلتقي في مشهد واحد صادم:

تمرض الأم… تدخل المستشفى وتحتاج إلى علاج وراحة تامة، ويُمنع عليها القيام بمهامها المعتادة. 

وهنا تبدأ الأسئلة: من سيغسل؟ من سيشتري الخبز؟ من سيأخذ الصغير للتطعيم؟ من سيطبخ؟ ومن سيتابع شؤون البيت؟

هنا… راحت السكرة وجاءت الفكرة! 

اكتشف الجميع أن المرأة التي قيل لها: ” أنتِ ما تشتغلين” 

كانت تقوم بعمل يومي حقيقي لكنه غير مرئي. 

فالعمل المنزلي له ” قيمة اقتصادية”، حتى لو لم يحصل صاحبه على راتب. ولو احتجنا إلى شراء كل ما تقدمه ربة البيت، لاحتجنا إلى طباخ، وعاملة، وسائق، ومربية، وربما مدرس خاص.

القيمة الاقتصادية تعني أن هذه الأعمال تحتاج إلى وقت وجهد ومهارات، وأن الأسرة كانت ستدفع مالًا أو تبذل وقتًا إضافيًا لو لم يؤدها أحد أفرادها. 

المرض هنا هو التجربة الصادمة التي كشفت قيمة عمل كان الجميع يتعامل معه وكأنه ” لا شيء”. 

أما اقتصاديًا، فعدم احتساب العمل المنزلي ضمن الناتج المحلي لا يعني أنه بلا قيمة؛ فالناتج المحلي يقيس ما يُباع في السوق، ولا يقيس كل ما يساهم في حياة الأسرة والرفاه والعدالة وجودة الحياة. 

والأمر نفسه ينطبق على الزوجة التي تساعد في مشروع الأسرة؛ فهي شريكة حقيقية حتى لو لم يظهر اسمها في الحسابات الرسمية.

لذلك ربما نحتاج إلى إعادة النظر في جملة: “ربة البيت ما تشتغل”. فهي تعمل، لكن بدون بطاقة دوام ولا راتب ولا ضمان اجتماعي.

المشكلة أن عملها لا يظهر. والاعتراف به لا يعني تصنيفه كمسؤولية نسائية فقط، بل يقتضي إعادة توزيع المهام داخل الأسرة، ومشاركة الرجل، وتوفير خدمات الرعاية. 

فالسؤال الحقيقي هو تغييره من: “هل تشتغل المرأة؟ ” إلى: “مَنْ يرى عملها؟ ومَنْ يعترف به؟ وكيف نعيد توزيعه بعدالة؟”

بقلم:م.صبا العصفور

مقالات ذات صلة

تشكيل الهوية الفطرية (الجنسية) للطفل، متى؟

يعتقد البعض عندما يسمع مصطلح الهوية الفطرية أو الجنسية، بمعنى أن يتعرف الطفل على هويته كذكر أو أنثى، بأنه إما أمر لا يجب التفكير فيه فهو تلقائي أو أنه أمر نحتاج أن نفكر فيه ونهتم بأمره عند اقتراب الطفل من سن البلوغ. ولكن الهويات بشكل عام هي قواعد أساسية لدى الإنسان، لذلك فإنها تتشكل منذ سنوات حياته الأولى.. فالهوية الجنسية تبدأ  بالتشكل في…

عاملات السُخرة

     اعتاد الناس على ترك مبلغ مالي إضافي على الحساب إكرامية للنادل أو النادلة في المطاعم، وكذلك يُكرم المارّة والسوّاق عمال النظافة في الشوارع العامة،…

قطعة الكيك

     في أحد التجمعات العائلية، سألت طفلةٌ والدها وهي تحملُ طبقاً فيه قطعةً من الكيك:       ” الماما لا ترضى أنْ آكل قطعة ثانية”.     …

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *