كرامة مهدورة وحق ضائع
في أحد المراكز الأهلية حضرتُ ندوة عن النساء المعلّقات في المحاكم الشرعية بانتظار أن يحكم لهنَّ بالطلاق أو الخلع، وهناك سمعت قصصا لنساء يعانينَّ قهرا وألما ووجعا لا ينتهي، بسبب الوضع الذي يعشنه، من طول انتظار طلاقهنَّ في المحاكم لتحديد مصائرهنَّ ليبدأن حياة جديدة مستقرة، والتي تطول لفترات طويلة جدأ، فإحدى هؤلاء النساء قالت أنا انتظر من عشرين سنة، وأخرى روت تفاصيل معاناتها مع أنواع الضرر المختلفة من ضرب وإهانة وعلاقات غير شرعية وتهديد بالقتل، وغيرها تحدثت عن الحضانة وأخرى عن النفقة وغيرها من الأسباب.
فمؤسسة القضاء حول العالم يجب أن تكون الملاذ الآمن والدرع الواقي لكل من ضاقت به السبل، فالقضاة هم حَمَلة أمانة العدل، والمؤهلون بامتياز لفض النزاعات بناءً على الحجة والبرهان وتقصّي الحقائق. لكن، حينما تطرق المرأة باب المحكمة طالبةً الخلاص من زواج لم يعد فيه سكن ولا مودة، تصطدم بواقع يضع كرامتها وخصوصيتها على المحك.
ومع الأسف لا توجد إحصائيات رسمية موحدة ودقيقة تعلنها الجهات القضائية بشكل دوري حول العدد الإجمالي الدقيق لـ “النساء المعلّقات” في المحاكم البحرينية، حيث تتباين الأرقام بين تقديرات حقوقية وتصريحات صحفية.
على أنَّ وثيقة رسمية صادرة من مكتب التوفيق الأسري في المحاكم الجعفرية، حصلت عليها المحامية فوزية جناحي، وطرحتها في أكثر من مناسبة. وحصل عليها معدّ التحقيق من خلال ورقة العمل الخاصة بها في مؤتمر «السيداو حقوق لا مزايا»؛ والتي تفيد بوجود 11 ألف قضية عالقة لفترات يصل ثلثها إلى عشر سنوات، بين نفقة، حضانة، وخلع وطلاق.
تجد المرأة نفسها مضطرة في كثير من الأحيان لسلك طريق الخلع أو الطلاق للضرر بعد استنفاد كافة محاولات الإصلاح. وهنا تبدأ المعاناة الحقيقية؛ فبدلاً من أن تجد الحماية، تُجبر على كشف أدق أسرار حياتها الزوجية وتفاصيل علاقتها الحميمة أمام الملأ أو في جلسات تفتقر للخصوصية النفسية. هذا “التعري الأخلاقي” القسري يمثَّل عبئاً نفسياً هائلاً، حيث تضطر للإفصاح عما يُخجل ذكره، ليس رغبةً في الفضيحة، بل لأنَّ القانون يطالبها بـ “بينة” تُثبت وقوع الضرر.
تكمن الأزمة الكبرى في أنَّ بعض القضاة يتبنون نظرة ضيقة لمفهوم الضرر، حيث يختزلونه في الأذى الجسدي الظاهر وأحيانا العجز والإعاقة أو العجز المادي، متجاهلين الضرر النفسي والعاطفي والجسدي الذي قد يفوق أثره أذى الضرب، فاستمرار الزواج بالإكراه وتحت وطأة المعاناة هو هدم لجوهر المقاصد الشرعية بحق الكرامة.
من المؤلم أن تنتهي رحلة البحث عن العدل بوقوف القاضي عاجزاً عن النطق بحكم يُنهي مأساة “امرأة معلّقة”، بحجة عدم كفاية الأدلة أو تغليب نصوص فقهية لا تراعي مقاصد الشريعة في “إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان”.
إنَّ ترك المرأة عالقة بين حياة لا تُطاق وحرية لا تُنال هو تعطيل لرسالة القضاء السامية، التي هي أساس العدل والحق، فأتمنى كما تتمنى كل نساء العالم بأن تعيش كل امرأة حياة كريمة تحفظ لها حقها وإنسانيتها. وكلنا أمل بأن يتم تعديل القوانين الشرعية التي تحمي حق كل امرأة لتعيش حياة آمنة ومطمئنة بما يتناسب وروح العصر والتطوّر الذي يعيشه العالم اليوم.
بقلم:أ.إيمان العصفور
استجابات