البيتُ الخانق

تقف كثير من النساء أمام سؤال موجع: هل أقطعُ الحبل وأنجو من الخنق، حتى لو سقط البيت؟ أم أتحمّل الخنق حتى لا يسقط البيت؟

لا تطرح المرأة هذا السؤال إلا حين تجد نفسها محاصرة بين خيارين: البقاء في علاقة تسحقها، أو المغادرة بثمن نفسي واجتماعي باهظ، فهي لا تتردد بدافع الخوف وحده، بل بدافع المسؤولية الاجتماعية التي تم شحنها بها منذ طفولتها عن مسؤولية الأبناء، ونظرة المجتمع، وأحكام الدين، وحتى القيم المرتبطة بالتضحية والوفاء.

لكن وسط هذا الزحام، يضيع صوت الكرامة، ويغيب سؤال الذات: هل يجب أن اُسحَق لأُثبت أنني “زوجة صالحة”؟

في خطابنا الاجتماعي والديني السائد، هناك ميلٌ مستمرٌ لتحميل المرأةَ عبء استمرار قيام البيت، فهي مطالبة بالصبر، والتحمّل، والتنازل، حتى لو أدى ذلك إلى ضياع نفسها، بينما تُعطى للرجل مساحات واسعة من التبرير، وهكذا يتحوّل الزواج في أعين كثير من الفتيات إلى صفقة خاسرة مسبقًا.

والنتيجة؟ جيل جديد من النساء يتساءلن بجدية: لماذا أتزوج ؟

البيت الحقيقي ليس جدرانًا، فهو ما نحيا به لا الذي نختنق بداخله، وهو مساحة آمنة تُحترم فيها الذات، وتُحفظ فيها الكرامة، وهو شراكة ناضجة قائمة على التبادل لا على الصمت، وعلى الحب لا على التحمّل الأعمى، والأسرة ليست مؤسسة لإدامة الألم باسم القيم، بل فضاء أخلاقي رحيم، يكون فيه الرجل والمرأة شريكين مسؤولين متكاملين.

وخطاب التضحية المطلقة الذي يُطلب من المرأة وحدها، لا يسمى صبرا، ولا ينسجم مع الإيمان الذي يُعلي من قيمة الحرية الداخلية والكرامة الإنسانية، فالإيمان الحق، هو ما يحرّر لا ما يُقيد، وهو ما يُحيي الإنسان لا ما يخنقه.

  فمن قال إن استمرار البيت أهم من حياة المرأة؟ ومن أوهمنا أن المرأة يجب أن تذوب حتى تبقى أسرتها؟

الشراكة لا تكون شراكة ما لم تكن عادلة، وأن الصبر على الظلم ليس فضيلة بل انتكاسة، فالحياة ليست أبيض وأسود، ولا تُختزل في صورة زفاف أو عقد زواج.

الحياة أوسع، والكرامة أثمن، والمرأة ليست بطلة مأساوية دائمة.

البيت الحقيقي لا يُبنى على الاختناق، بل على التنفّس المشترك.

والزواج ليس سجنًا مؤبّدًا، بل عهد أخلاقي يرتكز على المحبة والعدل.

وكل امرأة تستحق أن تُعامَل كروحٍ تحيا وتُزهر، وينمو الآخرون بها،  لا  كجدارٍ يستند عليه الجميع.

بقلم : م.صبا العصفور

مقالات ذات صلة

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *