ما بعد السيجارة!

أشعل الأب سيجارته، وإذا بابنه يشهق بالبكاء، اقترب منه مذعورًا: “ما بك يا ولدي؟”، أجابه الطفل بصوت صادق لا يعرف المجاملة: “لأنك ستموت بسبب التدخين”.

حاول الأب تهدئته، وعده أن يتوقف، ومسح دموعه، ومرّت الأيام، وعاد الأب يدخّن، لكن هذه المرة بعيدًا عن عيني الطفل، وفي أمسية هادئة عاد ليسأل نفسه سؤالًا بسيطًا، لكنه موجع: “أي قدوة أنا حين أُخفي ما أدين؟”

لم تكن المشكلة في سيجارة، بل في معنى أعمق، أن يتعلّم الطفل أن بعض الأخطاء لا تُواجه، بل تُخبّأ، وكأنّ الإخفاء نوعٌ من التصحيح، وأن الصدق ليس مطلوبا دائمًا، وأن الحقيقة تُقال حين تكون مريحة.

في تلك اللّحظة، لم يقلع الأب عن التدخين خوفًا من المرض أو الموت، بل خجلًا من أن يكبر ابنه وهو يتعلّم الازدواجية.

تفاجأت أمّ بابنتها ذات الثالثة عشرة عامًا في أحد المجمعات التجارية، وقد غطّت مساحيق التجميل وجهها، تقف بثقة أكبر من عمرها، محاطة بصديقاتها، لم تصرخ، لم تُهِن، لم تجرّها من يدها أمام الناس، احتضنتها وعادت بها إلى البيت، وبدأت معها رحلة إصلاح هادئة، واعية، طويلة النفس.

سُئلت لاحقًا: “كيف تمالكتِ نفسك؟ كيف لم تغضبي؟”، قالت ببساطة: “لأنني فعلت الشيء نفسه في صباي، بعيدًا عن أعين أهلي”.

هي لم تبرّر الخطأ، بل تذكّرت نفسها، وتذكّرت أن الصراخ لا يصنع وعيًا، وأن القمع لا يخلق قيمة، وأن ما يُمنع دون فهم، يُمارس في الخفاء.

البعض منّا يفعل في الخفاء أمورا قد لا تكون محرّمة أو مشينة، لكنها غير لائقة في أعين من يهمّنا أمرهم، نفعلها لأن الجميع يفعل، أو لأن النفس تميل، أو بدافع الفضول، أو لأننا نريد أن نشبه الآخرين، ولكننا لا نودّ أن يتعلمها أبناؤنا، بحجة “هم صغارٌ لا يفهمون”، لكنهم يفهمون بالصمت أكثر من الكلمات، ويرون الفرق بين ما نقول وما نفعل، ويصوغون قيمهم على ما نعيش أكثر مما نعلن.

ببساطة ما نخاف افتضاحه، لا ينبغي القيام به، فلسنا بحاجةٍ لأن نكون مثاليين، فقط أن نكون صادقين، وأن نتوقّف قليلًا أمام أفعالنا ونسأل: “هل أقبل أن يراني طفلي وأنا على هذه الهيئة؟”. ربما ليست التربية أن نُخفي عيوبنا، بل أن نتعلّم كيف نُواجهها أمامهم بشجاعة، ليكبر أبناؤنا بقيم واحدة لا بوجهين.

بقلم:م.صبا العصفور

مقالات ذات صلة

وين يروح ولدي؟

انطلاقا من الحس الإنساني الذي هو سمة الإنسان في كل زمان وفي كل مكان، وقعت هذه الكلمات العفوية التي تفوهت بها إحدى الأمهات أثناء مداخلة…

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *