المرأة العربية بين أنقاض الواقع وبذور النهوض
تُعدّ المرأة العربية إحدى الفواعل الرئيسة في مسار التحوّل الاجتماعي والاقتصادي الذي تشهده المنطقة، بما تحمله من أدوار مزدوجة بين البناء الأسري والمشاركة في التنمية الوطنية. إلا أنّ واقعها الراهن لا يزال متأثرًا بسلسلة من التحديات البنيوية، الممتدة من فجوات التعليم والعمل، إلى محدودية المشاركة في صنع القرار ومحدّدات الثقافة الاجتماعية.
فوفقًا لتقارير لجنة الأمم المتحدة الإقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) لعام 2023، تبلغ مشاركة المرأة العربية في سوق العمل نحو 21% فقط، وهي من أدنى النسب عالميًا، في حين لا يتجاوز تمثيلها البرلماني 18% كمعدل عام.
هذه المؤشرات تضع أمام المجتمعات العربية سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن تحويل الخطاب حول تمكين المرأة إلى “نهج قيميّ مستدام” يسهم في تجديد بُنية الوعي الاجتماعي؟
وفي قراءة ملامح الواقع النسائي العربي، تتنوّع صور “الأنقاض” في التجربة النسوية العربية، بين المادي والرمزي. فعلى المستوى الاقتصادي، لا تزال المرأة تواجه فجوة في الأجور تصل إلى 24% في بعض الدول العربية، بحسب البنك الدولي (2023).
أما على المستوى الثقافي، فتكمن التحديات في تغلغل القوالب النمطية التي تختزل المرأة في أدوار تقليدية محدودة. فالأنقاض هنا لا تمثّل فقط بُنية عَقَديّة أو اجتماعية، إنما هي حالة فكرية؛ حيث تصطدم كثير من النساء بحواجز الوعي الذاتي قبل أن يواجهنَّ الحواجز المؤسسية، فأخطر صور الإقصاء هي حين تتبنى المرأة ذاتها رؤية ناقصة لقيمتها الوجودية، فتصبح – دون وعي – جزءًا من إعادة إنتاج واقع التهميش.
إنّ النهوض لا يتحقق بالتمكين الاقتصادي فقط، بل بما يمكن تسميته “التمكين القيمي المتكامل”، الذي يربط بين الكرامة الإنسانية والعدالة الجندرية والمسؤولية المجتمعية.
وقد أظهرت تجارب التنمية المستدامة أنَّ كل تحوّل ناجح يبدأ بإعادة تعريف الذات الإنسانية للمرأة، من كونها فاعلًا ثانويًّا في سوق العمل، إلى كونها شريكًا كاملًا في صياغة المسار الحضاري.
لذا فإنَّ تمكين المرأة اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا يرفع أداء المجتمعات في مؤشرات النمو والعدالة والاستدامة، ويُعدّ جزءًا لا يتجزّأ من أجندة 2030 للتنمية المستدامة. (الهدف-5) المساواة بين الجنسين. فالمجتمع الذي يمنح نساءه مساحة للقيادة يصبح أقدر على التكيّف والإبداع.
فلنجعل يوم المرأة العربية مساحة مراجعة نقدية جماعية للواقع والمستقبل، وليس مناسبة احتفالية فقط.. فالأنقاض ليست قَدَرًا، بل طاقة تغيير كامنة في وعي المرأة ومؤسساتها المجتمعية. وبذور النهوض التي تزهر اليوم في التعليم، والريادة، والعمل المدني، هي ما يؤسس لجغرافيا جديدة للكرامة والعدالة في العالم العربي.
بقلم:د.وجيهة البحرانة
استجابات