هل أنت أنت؟

تحدثني إحدى النساء بأنها تزوجت أستاذها الجامعي الذي طالما أُعجبت بأفكاره التحررية واحترامه لمبادئ الديمقراطية، ولكن كانت المفاجأة عندما أُغلق عليهما باب مسكنهما حتى ظهرت لها شخصية أخرى تشبه سي السيد في المسلسلات المصرية، وتستأنف في حديثها لتسأله: من أنت؟ أين الحرية التي كنت تتحدث عنها؟ فيجيبها: تلك في الجامعة.


وقد يصعد المنبر الديني شيخا واعظا يلتف حوله أتباعه ليكونوا رهن إشارته لما يرون فيه من تقوى وورع وشبه بأصحاب الرسول (ص)، ولكنه في الواقع إنسانا نرجسيا يملأه العُجُب، ويتوهم شعورا بأنه أحد الصحابة المرضي عنهم لا رغبة في رضا الله تعالى.


وفتاة تظهر عليها علامات الاتزان والالتزام أمام أهلها وأصحابها، وما أن تختلي بنفسها حتى تنطلق عبر مواقع التواصل إلى ما يخالف الاستقامة والعرف والفطرة ورضا الله ووالديها، وكأنها لم تنل من التربية السليمة شيئا.


ومن جانب آخر نرى رجلا متزوجا وملتزما بمعايير الثقافة الإسلامية والشرقية بالسلوك والتدين، وله درجة من الاحترام في المحافل التي يحل بها، ولكن ما أن يغادر البلاد إلى جهة أخرى حتى يخلع لباس الوقار والدين، كما لو أن الله غائب عن تلك البقعة الجغرافية.


من هؤلاء؟ وهل أنا وأنت نشبه أي منهم في شيء؟ من أنت؟ من أنت في العزلة؟ من أنت في البيت؟ من أنت في السوق؟ من أنت في المدرسة؟ من أنت في العمل؟ من أنت أمام الله؟ هل أنا وأنت وهو وهي نفس الشخص في كل حال؟


إن كانت الإجابة نعم (قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)، فهل نحن صادقون فعلا؟ ما الدليل؟ ما هي هويتنا الحقيقية؟
هل أنا إنسان أحيا بالقيم؟ هل أنا رسول الشيطان؟ أم أتأرجح بين هذا وذاك؟


الهوية الإنسانية ملازمة للفطرة السليمة التي تفرق بين الحق والباطل بناء على القيم والأخلاق، وكل فرد في مسيرته اليومية تعترضه العديد من المواقف التي تختبر هويته الإنسانية والدينية والقيمية، وقد يخطئ أو يصيب في قراراته، ولكنه يملك القدرة للتمييز بين الصح والخطأ، وكلما امتحن نفسه وراجع سلوكه وقراراته، كلما صقلت هذه القدرات وارتقت به لدرجات أعلى من السمو والقرب لله تعالى.


فاختبار الإنسانية في تلك المواقف ضرورة حتمية للفرد، يسمع من خلاله صوت الضمير فيعرف هل هذا نداء الله أم الشيطان، ويمكننا جميعا التدرب على تلك الاختبارات طواعية لتجعلنا مستعدين لملاقاتها ونحن مكرهين.


مثلا ما هي الأفكار التي تراودني في الخلوات؟ هل أخجل من البوح بها للملأ؟ هل مستعدة للقاء الله بها إن كانت آخر ما يخطر بذهني؟.


وإن حُمّلت رسالة إلى شخص لا أكنّ له مودة هل سأحملها كما هي؟ أم سأضيف عليها من بهاراتي بالتلميحات والإيماءات التي تحرفها عن مغزاها؟.


هل أُحسن التصرف أمام الملأ رغبة في رضا الله أم للجاه والسمعة؟ هل أحمل رسائل الله في قلبي أم الشيطان؟
الإجابات ليست سهلة دائما ولكن الإجابة عليها تدلنا على من نكون!
هل أنا أنا في كل الأوقات؟ وهل أنت أنت في كل الأحوال؟

م.صبا العصفور

مقالات ذات صلة

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *